
بقلم د.الحسين بويقوبي
إطلعت على خبر إقالة رئيس جامعة بسبب حفل نظم في إحدى المؤسسات التابعة له وشاركت فيه مجموعة غنائية تعرف لدى المغاربة بالشيخات. لا أعرف مدى صحة خبر الإقالة ولا مدى صحة السبب، لكن إن كان الأمر صحيحا، فالموضوع يجب أن يطرح للنقاش الهادىء، لأنه يضعنا أمام وضعية غامضة، من جهة، في علاقتنا بموروثنا الغنائي، كما ورثناه، وكما قبله أجدادنا بغض النظر عن سياقات إنتاج كل نمط غنائي، وكما نستهلكه أيضا إن فرادى، في الفيديو سابقا ومواقع التواصل الاجتماعي حاليا، أو جماعة أمام التلفزة أو في المهرجانات العمومية، ذون أن يطرح ذلك إشكالا لأحد، ومن جهة أخرى في طبيعة الفن الذي نريده ذاخل مؤسساتنا الجامعية، خاصة مع ظهور كليات تحمل عبارة “والفنون” في إسمها الرسمي، وتجعل من هذا المجال موضوع تكوينها واهتمامها الأكاديمي.
لم يسبق هذا الاختيار أي نقاش عمومي لتحديد طبيعة الفنون التي نقصد، كما لا يوجد أي إطار قانوني يحدد هذه الفنون، وهي بالمناسبة متعددة ومتنوعة، بين ما يوصف بالتقليدي أو الشعبي، وما يسمى بالعصري أو الحديث. وأمام هذا الوضع ترك المجال للحس المشترك لرفض أو قبول نمط فني ما، وفق معايير لا تمت بصلة للمعايير الفنية، بل تحكمها أمورا أخرى، تستحضر أحيانا الدين لتبرير المنع، أو الأخلاق، في حالة ما لم يظهر توجه يقصي الآلات ويقدم فقط أناشيد في صيغة “موسيقى حلال”، أو خطاب آخر يرفض الفن جملة وتفصيلا.
لمدة عقود وباسم “الفن الملتزم”، كانت آلة العود وحدها من يقبل حضورها في حفلات الطلبة بالحرم الجامعي، مصحوبة بأغاني مرسيل خليفة أو سعيد المغربي. وكان الرباب منبوذا، رغم أنه بدوره مجرد آلة موسيقية تنتج نوطات كالعود، كما كان ينظر بغير الرضا للبانجو والكيتار، لأنها في نظر البعض لا تحيل على “الالتزام”، بل على المجون، ولم يتغير الوضع نسبيا إلا بظهور أغاني ناس الغيوان، فتم فتح المجال للبانجو، وأصبحت ناس الغيوان رمزا للفن الملتزم، وكان لزاما انتظار عدة سنوات لكي ينظر إلى إزنزارن بنفس النظرة وتجد لنفسها مكانا في الأنشطة الطلابية. أما فنون الروايس وأحواش وأحيدوس، فرغم كونها فنونا حسب معايير المختصين، إلا أنها لم تخلق لتقدم في الأنشطة الجامعية، بل كان ينظر إليها على أنها مجرد “فلكلور” لا يرقى ليكون موضوع تفكير علمي ولا لإنتاج ثقافة عالمة في الأوساط الجامعية، فما بالك لدعوتها في الأنشطة النضالية. فأسوار الجامعة ليست فقط حيوطا إسمنتية بل سياجا فكريا يفرض عليك أن تتخلى عن هويتك الحقيقية وميولاتك الشخصية وموروثك الثقافي لتتبنى شخصية أخرى، تلعب دورها فقط ذاخل أسوار الجامعة.
رغم أن الباحث حسن نجمي أنجز أطروحة دكتوراه عن فن العيطة ونوقشت علميا وأكاديميا في الحرم الجامعي إلا أن ممارسات هذا الفن لن يسمح لهن بتقديم عرضهن الفني في الجامعة، والشيء نفسه يمكن قوله عن فن الروايس، برجاله ونسائه، فرغم إنجاز عدة أبحاث جامعية عن هذا الفن (أطروحة بن احيا الحسين) ، إلا أن تاروايسين خصوصا لن يسمح لهن بتقديم عروضهن الفنية في الوسط الجامعي. ولذلك علاقة بالموقف من الجسد.
إنها وضعية غريبة، تنم عن سكيزوفرينية تحتاج للدراسة والفهم. فهل سنمنع كل فنوننا الموروثة من الولوج للجامعة لأنها لا تفرق بين الرجال والنساء، أم أننا نحتاج لتحديد لائحة الفنون المقبولة والفنون الممنوعة، وكيف ستكون معايير الاختيار، وهل سنقبل الغناء ا ذون الرقص، رغم أن هذا الأخير بدوره فنا من الفنون، له مدارسه المتنوعة، أم أننا سنقبل نوعا من الرقص ونرفض نوعا آخر. وما هو الإطار القانوني المحدد لهذه الاختيارات.
هي أسئلة حقيقية يجب أن يفتح حولها نقاش عمومي، لكي تعرف المؤسسات الجامعية المهتمة بالفنون حدود مجال تخصصها، وهل هو نظري فقط أم تطبيقي أيضا. لكن الأكيد أن لا بحث علمي بدون حرية، ولا فن ولا إبداع بدون حرية.