Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

تيزنيت بين نبض المدينة وصمت الانتخابات: حين ينتصر المال ويغيب المشروع السياسي

بقلم الفاعل المدني سعيد رحم 

ليست تيزنيت مدينة تشبه غيرها من مدن جهة سوس. فهي مدينة حيّة، لا تتوقف عن احتضان النقاش العمومي، ولا تمر فيها فكرة دون تمحيص أو قضية دون سجال. إنها مدينة تتنفس المدنية، وتصر على أن يكون لها رأي في كل ما يهم الشأن العام. وقد وصفها لي ذات مرة أحد كبار المسؤولين بأنها “مدينة مُلغِزة ورمال متحركة”، وهي بالفعل كذلك؛ مدينة عصية على التدجين، تُقاوم باستمرار بنية خفية تسعى إلى التحكم في مصيرها، تجمع بين المال والسلطة والأعيان وكبار الموظفين، وتطمح إلى الإمساك بكل خيوط النفوذ والمصالح والامتيازات.

غير أن المفارقة التي تستوقف كل متابع للشأن المحلي هي أن هذا الزخم المدني والفكري يخفت بشكل لافت كلما اقترب موعد الانتخابات التشريعية. فبدلاً من أن يعكس الاستحقاق الانتخابي ذلك الحراك السياسي والثقافي، نجد أنفسنا أمام مشهد رمادي، باهت، ومتناقض تماماً مع روح المدينة. إنها مفارقة مؤلمة: مدينة تنبض بالنقاش طوال السنة، لكنها تصاب بالصمت واللامبالاة عندما يحين موعد الاقتراع.

في المناخ الانتخابي الحالي، ينشغل الرأي العام بتتبع أخبار تاجر ذهب لا يعرف كثيرون كيف صعد إلى الواجهة، أو رجل أعمال يُطرح السؤال حول سبب صمته، وكأن مجرد الكلام بات معياراً للكفاءة السياسية. ويترقب البعض اتجاهات الأعيان وتحالفاتهم، بينما يغيب تماماً النقاش حول البرامج والرؤى، وتختفي الشخصيات السياسية ذات المرجعيات الفكرية الواضحة والمشاريع المجتمعية المقنعة. فيتحول الاستحقاق الانتخابي إلى سوق للمزايدات، لا إلى فضاء للتنافس الديمقراطي بين الأفكار والبدائل.

ولا يبدو الإعلام المحلي، بمختلف تعبيراته، بعيداً عن هذا الانحدار. فبدلاً من أن يساهم في تأطير النقاش العمومي وتسليط الضوء على القضايا الجوهرية، ينخرط في تضخيم أخبار الأشخاص وتتبع تفاصيل هامشية، مقدماً صورة مبتذلة عن الانتخابات، وكأننا أمام سوق أو “جوطية” شعبية، لا أمام لحظة سياسية حاسمة تُصاغ فيها اختيارات المستقبل. هذا الأداء الإعلامي يرسخ الانطباع بأن الانتخابات مجرد فرجة عابرة أو لعبة رهانات، لا محطة ديمقراطية فاصلة.

النتيجة هي واقع متناقض: مدينة تُقاوم، وتنتج نقاشاً عمومياً متقدماً في مختلف القضايا، لكنها تترك الساحة الانتخابية لمنطق المال والأعيان والولاءات الضيقة. وهو ما يعكس أزمة ثقة عميقة دفعت كثيراً من النخب والطبقة الوسطى إلى الانسحاب من الفعل الانتخابي، تاركة المجال لفاعلين لا يشكل المشروع السياسي أولوية لديهم.

والأخطر من ذلك هو التطبيع المتزايد مع المال الانتخابي، حتى أصبح التمويل غير المشروع يُتداول وكأنه أمر عادي لا يثير الاستغراب أو الاستنكار. ففي ظل ضعف الرقابة وغياب المحاسبة الفعالة، يتحول المال إلى العامل الحاسم في المنافسة، وتصبح الأصوات سلعة تُستمال قبل الانتخابات عبر قنوات متعددة، أحياناً تحت غطاء العمل الجمعوي أو الإحساني، بينما تتراجع قيمة البرامج والأفكار أمام الإغراءات المادية.

ويزداد القلق حين نلاحظ غياب أي رهان حقيقي على كفاءات تنتمي إلى الطبقة الوسطى، أو تمتلك رصيداً ثقافياً وفكرياً يؤهلها للقيام بدور تشريعي ورقابي يليق بالمؤسسة البرلمانية. فلا يكاد المشهد الانتخابي يقدم للرأي العام أسماء تحمل مشروعاً سياسياً أو رؤية إصلاحية، الأمر الذي يثير التخوف من أن تفرز صناديق الاقتراع نواباً يغيبون عن النقاش الوطني، ولا يتركون أثراً في العمل البرلماني، على عكس أسماء بصمت الذاكرة السياسية للمدينة بحضورها ومبادراتها، مثل الراحلتين خالدة الذكر نزيهة أباكريم وخديجة أروهال.

لا شيء في المشهد الحالي يوحي بأن تيزنيت مقبلة على انتخابات تُدار بروح المدينة المدنية. بل إن ما يطفو على السطح هو نزوع مقلق نحو ترييف وبدونة الفعل الانتخابي، حيث تتقدم الحسابات القبلية والمناطقية والمالية على الاعتبارات السياسية، وتتراجع الكفاءة والبرامج أمام منطق الولاءات الضيقة.

وتيزنيت لا تستحق هذا الانحدار. فهي مدينة راكمت تاريخاً من النضال الديمقراطي، وأفرزت ديناميات جمعوية وسياسية ومدنية كان لها أثر واضح في الدفاع عن قيم المواطنة والحداثة. ومن المؤسف أن تجد نفسها اليوم أمام مشهد انتخابي لا يعكس هذا الرصيد ولا يترجم طموحات أبنائها.

إن الطبقة الوسطى، والمثقفين، والفاعلين المدنيين، وكل المؤمنين بقيم الديمقراطية، مطالبون اليوم بعدم الاكتفاء بدور المتفرج. فترك العملية الانتخابية لمنطق المال والقبيلة يعني القبول بإعادة إنتاج الأزمة نفسها، وإفراغ الديمقراطية من مضمونها الحقيقي.

لقد آن الأوان لاستعادة الانتخابات من قبضة النفوذ المالي والقبلي، وإعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة والبرامج الجادة. فالمسؤولية مشتركة بين الأحزاب، والإعلام، والمجتمع المدني، والنخب، والمواطنين، من أجل بناء مناخ انتخابي يليق بتاريخ تيزنيت وحيويتها.

فالرهان الحقيقي ليس فقط في معرفة من سيفوز بالمقاعد، وإنما في الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: هل ستكون الانتخابات المقبلة خطوة نحو ترسيخ الديمقراطية وإفراز نخب قادرة على تمثيل المدينة والدفاع عن مصالحها، أم ستظل مجرد طقس انتخابي يعيد إنتاج الواقع نفسه؟

لا أخفي أنني أنظر إلى الاستحقاق المقبل بكثير من التشاؤم. فالمؤشرات القائمة لا تبعث على الاطمئنان، وأخشى أن تفرز صناديق الاقتراع مرة أخرى نتائج لا ترقى إلى مستوى تاريخ تيزنيت، ولا إلى تطلعات ساكنتها في تمثيل سياسي كفء ومسؤول.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.