Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

القصر الكبير أمام أزمة صحية مفتوحة: بين تعثر المستشفى وشبهات التدبير وحق الساكنة في العلاج.

بقلم : حمزة ابراهيمي

أكتب عن القصر الكبير لا من موقع العابر أو المتفرج، ولا بدافع مصلحة ظرفية أو حساب عابر، بل بوجدان أحد أبناء هذه المدينة العريقة، ممن تربوا فوق ترابها، وخطوا بين أزقتها ودروبها أولى خطوات الصبا والشباب والأحلام، وحملوا صورتها في الذاكرة والوجدان رغم البعد والمسافات. إن علاقتنا بالقصر الكبير ليست علاقة مصلحة أو غرض، بل علاقة انتماء صادق ووفاء لمدينة منحت أبناءها الكثير، ولا تزال تستحق منهم كلمة حق حين يصبح الحق في الصحة والكرامة والعلاج مهددا.
لم يعد الوضع الصحي بمدينة القصر الكبير يحتمل مزيدا من الصمت أو لغة التبرير الإداري. فما يجري داخل القطاع الصحي بالإقليم، وخاصة على مستوى المنطقة الصحية بالعرائش، لم يعد مجرد اختلالات ظرفية في التدبير، بل تحول إلى أزمة ثقة حقيقية بين الإدارة، والشغيلة الصحية، والساكنة التي تجد نفسها أمام مرفق عمومي يتراجع بدل أن يتطور، ويتقلص بدل أن يتوسع.
وتزداد خطورة هذا الوضع أمام ما يثار من معطيات مرتبطة بتدبير المال العام، خاصة في ما يتعلق بخدمة التغذية وشركة المطعم، حيث تشير محاضر متعددة، وفق المعطيات المتداولة، إلى عدم احترام دفتر التحملات، فضلا عن عرائض وشكايات تقدم بها موظفون دون أن يترتب عنها، إلى حدود الساعة، أي أثر ملموس أو إجراء حاسم. كما يجري تداول معطيات تستدعي التحقق والافتحاص بشأن شبهات استفادة غير مشروعة مرتبطة بالوجبات، وهي معطيات لا يمكن الجزم بصحتها أو مآلاتها إلا عبر تحقيق رسمي، لكنها في المقابل لا تحتمل التجاهل أو التهوين.
فالمال العام ليس مجالا للمجاملة أو التسويات الصامتة، وأي شبهة في تدبيره تفرض تدخل الجهات المختصة، من أجل افتحاص الصفقات، وجودة الخدمات، ومدى احترام دفاتر التحملات، وترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية كلما ثبت وجود تقصير أو تواطؤ.
وتتزامن هذه المعطيات مع قرارات إدارية أثارت استياء واسعا، بعد الحديث عن تنقيل ما يقارب أربعة عشر إطارا طبيا وتمريضيا من القصر الكبير نحو العرائش، من بينهم أطر مكلفة بالأمراض المزمنة وصحة الأم والطفل، إضافة إلى تنقيل قسم الأشعة بالكامل، وعدد من ممرضي التخدير والإنعاش، ومصالح أخرى حيوية. وهنا تبرز مسؤولية إدارة المنطقة الصحية بالعرائش في ضمان توازن العرض الصحي بين مختلف مؤسسات الإقليم، حتى لا تتحول القرارات الإدارية إلى وسيلة لإفراغ القصر الكبير من خدماتها الأساسية.
فالحديث عن تقريب الخدمات الصحية يفقد معناه عندما يضطر المرضى، بمن فيهم أصحاب الحالات المستعجلة، إلى التنقل نحو العرائش لإجراء فحوصات أساسية كان من المفترض أن تكون متاحة داخل مدينتهم. كما أن تنقيل الأطر والمصالح الحيوية لا يجد ما يبرره أمام الحاجة الملحة إلى مركز للتشخيص، وخدمات للأشعة، ومستعجلات قادرة على التدخل، ومواكبة صحية للحوامل والمرضى المزمنين والفئات الهشة.
إن الدفاع عن حق ساكنة القصر الكبير في خدمات صحية قريبة لا يعني بأي حال الانتقاص من حق ساكنة العرائش أو باقي جماعات الإقليم، بل هو مطالبة بتوزيع عادل ومتوازن للموارد الصحية، بعيدا عن منطق إضعاف مؤسسة لتغطية خصاص مؤسسة أخرى.
وقد كشفت أزمة مستشفى القصر الكبير، عقب الفيضانات وما أعقبها من تعثر في إعادة التشغيل، عن هشاشة بنيوية في تدبير الشأن الصحي محليا. ولا يمكن تجاوز مسؤولية الإدارة الترابية المختصة في تقديم توضيحات للرأي العام بشأن أسباب هذا التعثر، وغياب برنامج عملي واضح لإعادة تشغيل المستشفى، والإجراءات المتخذة لضمان حق الساكنة في العلاج خلال فترة الإغلاق.
فالمستشفى، الذي كان يفترض أن يشكل ركيزة أساسية للخدمات الصحية، تحول إلى عنوان للانتظار والارتباك، بينما كشفت وضعية المركز الصحي مولاي علي بوغالب، بعد سقوط جزء من السقف الجبسي فوق الزوار عقب فترة قصيرة من انتهاء أشغال الإصلاح، عن مؤشرات تستدعي مساءلة جدية بشأن جودة الأشغال، وكلفة الإصلاح والتجهيز، ومدى احترام المعايير التقنية المعتمدة.
إن الصورة هنا أبلغ من أي بلاغ، لأنها تؤكد أن الخلل لا يقتصر على نقص الموارد البشرية، بل يمتد إلى الصفقات، والمراقبة، وجودة الإنجاز، ومسؤولية التتبع. لذلك لم يعد الرأي العام المحلي يكتفي بالبلاغات العامة أو التعليقات المتفرقة، بل ينتظر إجراءات عملية وجدولا زمنيا واضحا لإعادة تشغيل المستشفى وتأهيل المراكز الصحية.
كما لا يمكن فصل هذه الأزمة عن الوضع المهني للشغيلة الصحية، التي تواجه ضغوطا متزايدة وقرارات أحادية، من بينها حرمان عدد من مهنيي الصحة من وجبات التغذية، وإرغام طبيبة على القيام بالإلزامية رغم توفرها على إعفاء طبي صادر عن لجنة مختصة، واسترجاع سيارات إسعاف كانت مخصصة للقصر الكبير مع الإبقاء على سيارة وحيدة في وضعية غير لائقة، فضلا عن غياب التجاوب مع طلبات الاجتماع والمراسلات النقابية.
إن تدبير القطاع الصحي لا يمكن أن يقوم على القرارات الانفرادية أو تحويل أطر مستشفى القصر الكبير إلى احتياطي بشري لسد خصاص مؤسسات أخرى، وكأن المدينة وساكنتها تأتيان في مرتبة ثانوية ضمن الخريطة الصحية للإقليم. كما أن الحوار مع ممثلي الشغيلة، والتفاعل الجدي مع مراسلاتهم، واحترام المقاربة التشاركية، ليست امتيازا تمنحه الإدارة، بل واجب يفرضه حسن التدبير وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن ساكنة القصر الكبير لا تطلب امتيازا، ولا تنازع أي مدينة أخرى حقها في العلاج، وإنما تطالب بحقها الدستوري في مرفق صحي قريب، آمن، مجهز، ومؤطر بموارد بشرية كافية.
ومن هذا المنطلق، فإن إدارة المنطقة الصحية بالعرائش مطالبة بتحمل مسؤوليتها كاملة، عبر تقديم الأجوبة للرأي العام، وتصحيح الاختلالات، ومراجعة كل قرار من شأنه تعميق الخصاص، وفتح حوار جاد مع ممثلي الشغيلة الصحية، والمنتخبين، والفعاليات المدنية والحقوقية.
أما أن تتحول القصر الكبير إلى خزان للموارد البشرية لتعويض الخصاص في مؤسسات أخرى، وأن يدفع مرضاها ثمن قرارات إدارية غير مفهومة، وأن تبقى منشآتها الصحية عرضة للتلف بعد الإصلاح، فذلك وضع لم يعد مقبولا لا مهنيا ولا حقوقيا ولا أخلاقيا.
إن المرحلة تقتضي شجاعة القرار لا بلاغة التبرير، وتقتضي فتح تحقيقات مؤسساتية كلما أثيرت معطيات تستوجب الافتحاص، بدل الاكتفاء بالردود العامة، كما تقتضي احترام الشغيلة الصحية، وإنصاف الساكنة، وضمان حقها في الولوج إلى العلاج داخل مدينتها.
فالصحة العمومية ليست مجالا للتدبير الارتجالي، والمال العام ليس تفصيلا تقنيا، وكرامة المواطن القصري ليست قابلة للتأجيل.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.