Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

الهوية الأمازيغية تفقد احد أبرز منظريها : الأستاذ محمد بودهان

بقلم الأستاذ محمد الزياني

تعود علاقتي بالفقيد الأستاذ محمد بودهان إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي، في سياق الانتعاش الثقافي الجديد الذي عرفته منطقة الريف، وتحديدًا مدينتي الناظور والحسيمة، بعد إجهاض تجارب جمعوية وثقافية سابقة وواعدة بهما ، من قبيل الانطلاقة الثقافية (1978–1984) والبعث الثقافي (1982–1984). غير أن هذه العلاقة ستتوطد أكثر، وبشكل مباشر، عقب الندوة العلمية الخاصة بعرض ومناقشة كتاب «إشكالات وتجليات ثقافية في الريف» الصادر سنة 1994، للثلاثي الأساتذة: عبد الله شريق، ومحمد أقوضاض، والمرحوم الحسين القمري.

ومنذ ذلك التاريخ، جمعتنا لقاءات وندوات وملتقيات متعددة، محلية وجهوية ووطنية، ظل خلالها الفقيد وفيًّا لموقعه كمثقف ملتزم، ومفكر واضح التموقع في صف المدافعين عن الأمازيغية، باعتبارها قضية هوية ووجود، وليست مجرد مطلب ثقافي أو لغوي ظرفي. وقد تميز مشروعه الفكري بتركيزه العميق على المنطلق الهوياتي، الذي أفرد له جل أبحاثه وكتاباته، ساعيًا إلى ضبط مفاهيمه واستجلاء دلالاته، ومؤطرًا إياه ضمن ركيزتين أساسيتين: المجال/الأرض واللغة، باعتبارهما سندي الهوية الأمازيغية وأساس وجود سكان شمال إفريقيا/ثمازغا، شأنها في ذلك شأن باقي هويات الشعوب في مجالاتها الترابية.
كان الفقيد يرفض مفهوم التعدد الهوياتي للشعب الواحد، أو اختزال الهوية في تركيبة فسيفسائية؛ إذ كان يرى، بوضوح فكري وحسم نظري، أن الهوية إما أن تكون واحدة أو لا تكون، فلا وجود – في نظره – لشعب ذي هوية ثنائية أو متعددة. وعليه ، فالمغرب ذو هوية أمازيغية واحدة، وما باقي التعبيرات اللغوية والثقافية سوى روافد تاريخية وحضارية اندمجت فيها بفعل الاحتكاك والتفاعل عبر الزمن، دون أن تمس جوهرها. مشبها الهوية الأمازيغية بالبحر، الذي تصب فيه الأنهار والروافد، فتنصهر وتذوب في أعماقه دون أن تغيّر من طبيعته أو ملوحته.

وقد ميّز الفقيد نزوعه الدائم إلى الاستقلالية في منطلقاته الفكرية والعقدية، مع انفتاحه، في الآن ذاته، على مختلف الفاعلين الأمازيغيين، على اختلاف مشاربهم الفكرية والسياسية. ولم يتردد في مواجهة الخطابات الإقصائية، سواء ذات الطابع الإسلاموي المتشدد أو العروبي الإلغائي، التي كانت تستشعر في النهضة الأمازيغية مصدر قلق وتهديد، وهو ما عبّر عنه بمفهوم «الأمازيغوفوبيا»، الذي يُعد من المصطلحات الدالة التي اجتهد الفقيد في نحتها وتحليلها.

وعلى المستوى الجمعوي، حافظ الفقيد على علاقات متميزة مع مختلف الإطارات الثقافية الأمازيغية، وأسهم بسخاء في تأطير أنشطتها ودعم مبادراتها، سواء في الريف أو في باقي ربوع الوطن. ونخص بالذكر جمعية أنكور للثقافة والفنون بإمزورن، التي كان يعتبرها بيته الآمن وفضاءه الطبيعي، والتي ساهم هو و رفيقيه : الفقيد حسن بنعقية، والأستاذ محمد الشامي في تشييد صرحها وتعميم إشعاعها الثقافي ، وكيف لا وهؤلاء ممن واكبوا معنا أشغال التحضير وتأسيس كنفدرالية الجمعيات الثقافية الأمازيغية بشمال المغرب في غشت 1998.

ولا تزال الذاكرة تحتفظ بصورة الفقيد، وهو يتكبد عناء السفر وصعوبة المسالك، ليكون في مقدمة مستقبلي ضيف جمعية أنكور وإمزورن عموما : الأستاذ محمد شفيق، بمطار الشريف الإدريسي، مساء يوم الجمعة 5 يونيو 1998، في لحظة دالة على ما كان يتحلى به من وفاء والتزام.

كما تواصلت لقاءاتنا في رحاب جمعية ماسنيسا الثقافية بطنجة، التي كان الفقيد يثني على مسؤوليها لما عُرفوا به من مكارم الأخلاق وحسن الضيافة. ولم يكن يتردد في تلبية أي دعوة توجه إليه، مهما بعدت المسافات أو قست الظروف. وكان شديد الحساسية تجاه مظاهر التفاوت المجالي، منتقدًا ما كان يراه تهميشًا ممنهجًا لبعض الجهات، وعلى رأسها الريف، الذي كان يقول عنه إنه أُخضع لـ«التأديب الأبدي»، مستحضرًا معاناة التنقل، وغياب البنيات الطرقية العادلة تربط مدن الريف بعضها ببعض كما بباقي جهات الوطن والتي كانت ستسمح له بالعبور من الناظور إلى طنجة دون المرور لزاما بمدينة فاس ! وهو الأمر الذي حكى لي مرارا قساوته وتكاليفه المفروضة!

وعقب تعيين المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كان الفقيد من بين الأسماء المعنية، غير أنه، رفقة 6 آخرين، سرعان ما تنبّه إلى محدودية رهانات هذه المؤسسة، وإلى تعارض توجهاتها مع تصوره لمستقبل الأمازيغية في التعليم والإعلام والقضاء والحياة العامة. فاختار الانسحاب العلني، ليشارك لاحقًا في تأسيس مشروع سياسي بديل هو «الاختيار الأمازيغي»، الذي أصبح أحد أبرز منظّريه وقادته، وساهم بجدية في إكسابه المشروعية السياسية، إلى جانب شرعيته النضالية الراسخة.

لقد نذر الفقيد محمد بودهان حياته لخدمة الأمازيغية، التي كانت تعني له كل شيء، إذ لم يكن يتصور وجودًا فرديًا أو جماعيًا خارجها. ومن هذا المنطلق، دعا إلى ضرورة إكساب الدولة ونظام الحكم هويتهما الأمازيغية، استنادًا إلى التاريخ العريق لشمال إفريقيا وتجاربها السياسية عبر مختلف الممالك والدول، كما تخصص لفترة في فضح أسطورة “الظهير البربري” وانجز قراة خاصة لحراك الريف من منطلق الانتماء لهذه الأرض وحق أهلها في خيراتها ومواردها ، داعيا إلى مصالحة شجاعة مع الذات قصد استئناف المسار بشكل متوازن، بعيدًا عن عقد الخوف أو النقص.

فرحمة الله الواسعة على روح فقيدنا الأستاذ محمد بودهان ، واحر العزاء لأهله ولرفاقه في الكفاح من أجل الأمازيغية راهنا ومستقبلا .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.