Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

الكونفدرالية الديمقراطية للشغل… تاريخ نضالي متجدد في مواجهة الغلاء وتهميش الشغيلة

ليست الكونفدرالية الديمقراطية للشغل مجرد إطار نقابي يُرفع اسمه في المسيرات أو يُكتب على اليافطات، بل هي تجربة نضالية متجذرة في تاريخ الحركة النقابية المغربية، ومدرسة كفاحية اختارت منذ تأسيسها أن تنحاز بوضوح إلى الطبقة العاملة وعموم الكادحين، دفاعاً عن الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.

لقد جاءت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في مرحلة كان فيها المغرب في حاجة إلى صوت نقابي حر ومستقل، يرفض التدجين ويؤمن بأن العمل النقابي ليس مجرد وساطة اجتماعية عابرة، بل معركة يومية من أجل انتزاع الحقوق وصون الكرامة الإنسانية. ومنذ انطلاقتها، حملت الكونفدرالية مشروعاً نقابياً ديمقراطياً وتقدمياً، يربط بين النضال المطلبي والدفاع عن القضايا الوطنية والشعبية، ويعتبر النقابة قوة اقتراح وتأطير واحتجاج، لا مؤسسة صامتة أو ملحقة إدارية.

ولذلك لم يكن غريباً أن تكون الكونفدرالية في مقدمة المعارك الاجتماعية الكبرى؛ من الإضرابات العامة التاريخية إلى معارك الدفاع عن الحريات النقابية، ومن مواجهة السياسات اللاشعبية إلى التصدي لارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية. وقد دفع مناضلو الكونفدرالية ثمناً باهظاً لمواقفهم، من اعتقالات واقتطاعات وطرد وتضييق ومتابعات، لكنهم ظلوا متمسكين بخيار الانحياز للشغيلة باعتباره موقفاً مبدئياً ثابتاً لا شعاراً ظرفياً.

واليوم، ومع تجدد الاحتجاجات والمسيرات الجهوية التي دعت إليها الكونفدرالية، يعود النفس الكفاحي إلى الواجهة من جديد، عبر تعبئة ميدانية واسعة تهدف إلى الضغط من أجل فتح حوار اجتماعي حقيقي والاستجابة للمطالب العادلة للشغيلة، وفي مقدمتها الزيادة في الأجور والمعاشات، واحترام الحريات النقابية، والحد من الغلاء الذي يثقل كاهل الأسر المغربية، إلى جانب تنفيذ الالتزامات الاجتماعية والاتفاقات القطاعية المتراكمة.

إن هذه التعبئة الوطنية ليست مجرد استعراض تنظيمي عابر، بل تعبير فعلي عن وفاء الكونفدرالية لمبادئها وخطها النضالي الواضح. فالاحتجاج بالنسبة إليها ليس مناورة ظرفية أو ورقة ضغط موسمية، بل حق مشروع وممارسة نضالية طبيعية للدفاع عن الحقوق وانتزاع المكتسبات. ولهذا لم تنتظر الكونفدرالية يوماً “الضوء الأخضر” لكي تنزل إلى الشارع، لأنها تعتبر أن قوة النقابة الحقيقية تُقاس بمدى ارتباطها اليومي بقضايا العمال والموظفين والمستخدمين.

وعلى امتداد سنوات طويلة، ظلت الكونفدرالية حاضرة في المعامل والموانئ والإدارات وقطاعات التعليم والصحة والطاقة والجماعات المحلية، تنظم المعارك وتؤطر الاحتجاجات وتدافع عن الحقوق في الميدان، لا عبر البيانات الفارغة أو الخطابات الافتراضية. فكل المكتسبات الاجتماعية التي تحققت لفائدة الشغيلة المغربية كانت ثمرة نضالات وتضحيات قادتها الحركة النقابية المناضلة، وفي قلبها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.

أما الأصوات التي تختزل العمل النقابي في شعارات تبخيسية من قبيل “النقابات بحال بحال”، فهي تتجاهل تاريخاً طويلاً من التضحيات والمعارك التي صنعتها التنظيمات الجادة والمناضلة. فهناك فرق كبير بين نقابة اختارت الاصطفاف إلى جانب الجماهير الشعبية وتحملت كلفة مواقفها، وبين تنظيمات تحولت إلى واجهات شكلية أو أدوات للامتيازات والمصالح الضيقة.

وفي زمن تتسع فيه مظاهر الإحباط والفردانية وتبخيس العمل الجماعي، تواصل الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تقديم نفسها كإطار نقابي مكافح، يؤمن بأن التنظيم الواعي والنضال الميداني والوحدة الكفاحية تظل السبيل الحقيقي للدفاع عن الحقوق وبناء مجتمع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.