Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

الحلم المؤجل… سيرةُ طالبٍ قرويٍّ هزمته السفارات ولم تهزمه الحياة

بقلم الحسين بوالزيت صحافي وباحث في التاريخ

كان الزقاق ينعطف يساراً، ثم يستقيم في ممرٍّ آخر يتوسطه المركز اللغوي الأمريكي. سيارات فارهة تعبر ببطء، وشباب وشابات بأناقة المدن الكبيرة، يتهامسون ويتغنجون تحت شمس الرباط الهادئة. وحده كان يمشي بينهم بخطواتٍ متعبة، يقذف الجميع بنظراته القروية الحادة، قبل أن يقذف به التيه إلى شارع باتريس لومومبا؛ ذلك المناضل الإفريقي الذي مزّقه الإفريقي بأمرٍ بلجيكي قاسٍ.

يمضي طويلاً… ينعطف يساراً، ثم يميناً، ثم يساراً من جديد، حتى يقف أمام دار البريهي متأملاً. يعرف أسماء المذيعين جميعاً تقريباً، خصوصاً أصوات مقدمي النشرات الرياضية بالإذاعة الوطنية. لم يكن يعرف وجوههم، لكن صوتاً واحداً كان يكفيه ليتعرف إلى صاحبه ولو كان معصوب العينين. أما مذيعو الإذاعة الأمازيغية، فكانت نصف كلمة تكفيه لالتقاط الاسم من بين الضجيج.

يتسمر في مكانه لثوانٍ قليلة، ثم يمضي نحو الجامعة. هناك ينتظره درسٌ في تاريخ المغرب خلال القرن التاسع عشر؛ درس يعرف مسبقاً أنه سيفتح جرحه من جديد. فرنسا تعود مرة أخرى، والترتيب العزيزي، والحاجب باحماد، والروكي، وعلماء فاس، وحنفق الحجوي، وكل الكوابيس التي جعلت التاريخ بالنسبة إليه قدراً شخصياً لا مادةً جامعية فقط.

لم يكن حلم فرنسا نزوةَ شابٍ قرويٍّ مفتونٍ بصورة باريس في الأفلام، بل كان مشروع حياة كامل، تشكّل ببطء وسط الفقر والعزلة وقسوة الهوامش. منذ سنواته الأولى في البلدة المنشأة، شعر أن التاريخ ليس مجرد حكاياتٍ قديمة، بل جرحٌ مفتوح يطارد الإنسان حتى آخر العمر. قرأ عن الثورات الأوروبية، وعن فلاسفة الأنوار، وعن الجامعات العريقة التي أنجبت كبار المؤرخين وعلماء الاجتماع، فترسخ داخله يقينٌ غامض بأن مكانه الطبيعي هناك، في فرنسا، حيث وُلدت الأفكار الكبرى التي أحبها قبل أن يفهمها تماماً.

كبر الحلم معه حتى تحول إلى حقيقةٍ داخلية لا تقبل الشك. كان يرى نفسه طالباً في إحدى الجامعات الباريسية، يعبر صباحات الحي اللاتيني حاملاً كتبه، يناقش التاريخ الإنساني بلغته التي عشقها من بعيد، ويعيد كتابة مصيره بيديه. غير أن الأحلام الكبرى كثيراً ما تتحطم على تفاصيل إدارية صغيرة، باردة، وعديمة الرحمة.

جاءت قوانين وزارة الخارجية الفرنسية سنة 2002 كأنها جدار فولاذي أُقيم فجأة في وجه أبناء الفقراء. لم يعد التفوق الدراسي كافياً، ولا الشغف بالمعرفة، ولا الرغبة في البحث العلمي. صار كل شيء يُقاس بالحساب البنكي، وبالضمانات التي لا تملكها الأسر القادمة من القرى المنسية. هناك فهم، للمرة الأولى، أن العالم لا يُدار بالأحلام، بل بموازين قاسية لا مكان فيها لمن جاء متأخراً ومن دون سند.

كانت الصدمة أعمق من مجرد تعثر ملف أو رفض تأشيرة؛ كانت انهيار صورة كاملة بناها عن فرنسا. فرنسا التي قرأ عنها بوصفها “بلاد الأنوار” بدت له فجأة بلداً بارداً وانتقائياً، يفتح أبوابه فقط لمن يملكون ما يكفي من المال والحظ. ومنذ تلك اللحظة، نشأت بينه وبينها علاقة حزينة يطبعها العتب أكثر مما يطبعها الكره. ظل يشعر أن جزءاً من حياته سُرق منه قبل أن يبدأ، وأن نسخةً أخرى من نفسه كان يمكن أن تولد هناك، بين مكتبات السوربون وقاعات الجامعات الباريسية، لكنها ماتت على أبواب السفارات.

وحين انتقل إلى الرباط لم يكن يحمل حقيبة طالب فقط، بل كان يحمل أيضاً حطام مشروعٍ كامل. دخل العاصمة مثقلاً بإحساس الهزيمة، كأن المدينة ليست سوى بديل مؤقت عن قدرٍ أكبر أفلت من بين يديه. كان يسير في شوارعها بنصف روح، يرى في وجوه الطلبة الآخرين شيئاً من الاستقرار الذي حُرم منه، بينما كان يعيش شعور المنفي داخل وطنه؛ لا هو الذي سافر، ولا هو الذي عاد إلى بلدته الأولى.

في ليالٍ كثيرة، فكّر في الرحيل من جديد. بدت ليبيا منفذاً سريعاً للهروب من الاختناق، وتونس احتمالاً أقل قسوة، وتركيا أرضاً بعيدة يمكن أن يبدأ فيها من الصفر. كان يبحث عن أي مكان ينسى فيه خيبته الفرنسية، لكن الحياة كانت تعيده كل مرة إلى النقطة نفسها. كل محاولة للمغادرة كانت تتعثر بسبب صدفة غامضة، أو التزام جديد يربطه بالرباط أكثر.

اشتغل في كل شيء تقريباً، لا حباً في المهن، بل دفاعاً عن بقائه. عرف قسوة الأعمال الهامشية، وذاق الإهانة الصامتة التي يتعرض لها الطالب الفقير حين يحاول الموازنة بين الدراسة والجوع. ثم وجد نفسه تدريجياً داخل عالم الصحافة المكتوبة، كأن الكتابة كانت الملجأ الأخير لرجل خسر معركةً كبيرة مع الواقع.

هناك، وسط ضجيج المطابع ورائحة الحبر، أدرك أن الهزائم الشخصية يمكن أن تتحول إلى مادة للفهم والتأمل، وأن الذين يفشلون في الوصول إلى أحلامهم الكبرى يصبحون أحياناً أكثر قدرة على قراءة العالم بمرارةٍ وعمق.

مرت السنوات، لكن فرنسا لم تغادره تماماً. بقي اسمها يوقظ داخله شعوراً معقداً؛ مزيجاً من الحنين والخذلان. لم يعد يراها وطناً مثالياً، لكنه لم يستطع أيضاً أن يكرهها بالكامل، لأنها كانت الحلم الذي منح سنواته الأولى معنى خاصاً. لذلك ظل يحملها داخله مثل قصة ناقصة، أو رسالة قديمة لم تصل أبداً إلى صاحبها.

أما البلدة المنشأة، فقد بقيت الحقيقة الوحيدة التي لم تخنه. كلما أثقلته المدن، عاد إليها في ذاكرته؛ إلى الطرق الترابية والبدايات الفقيرة التي صنعت منه رجلاً يعرف جيداً أن أكثر المعارك قسوة ليست تلك التي نخسرها أمام الآخرين، بل تلك التي نخسر فيها الصورة التي رسمناها لأنفسنا ذات يوم.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.