
التقرير التركيبي لندوة: “الميزانية التشاركية في الجماعات الترابية بجهة سوس-ماسة: الفرص والتحديات”
نظم مختبر الأبحاث في القانون العام والعلوم السياسية، بتنسيق مع مؤسسة هينريش بول ومركز جاك بيرك، والمركز المغربي للدراسات والأبحاث في مالية الجماعات الترابية ومركز الجنوب للدراسات والأبحاث، مائدة مستديرة حول موضوع: “الميزانية التشاركية في الجماعات الترابية بجهة سوس-ماسة: الفرص والتحديات”، وذلك يوم الأربعاء 20 ماي 2026، من الساعة الرابعة إلى السادسة مساء، بقاعة الندوات التابعة لكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأيت ملول.
وتندرج هذه الندوة ضمن سلسلة الورشات الشهرية المخصصة لقضايا المشاركة المواطنة بالمغرب، والتي ترمي إلى فتح نقاش أكاديمي ومؤسساتي حول آليات تعزيز الديمقراطية التشاركية على المستوى الترابي، واستكشاف سبل تطوير انخراط المواطنات والمواطنين في تدبير الشأن المحلي، لاسيما في ما يتعلق بإعداد وتتبع وتقييم السياسات والبرامج العمومية ذات البعد المالي والميزانياتي.
وقد شكلت هذه الندوة مناسبة علمية لتبادل الرؤى والأفكار بين الباحثين والأكاديميين والفاعلين المهتمين بقضايا الحكامة الترابية والمالية المحلية، حيث تم التطرق إلى مختلف الإشكاليات المرتبطة بتنزيل آلية الميزانية التشاركية داخل الجماعات الترابية بجهة سوس-ماسة، سواء من حيث الإطار القانوني والمؤسساتي، أو من حيث الإكراهات العملية المرتبطة بالمشاركة المواطنة، وضعف الإمكانات التقنية والمالية، وحدود الثقافة التشاركية على المستوى المحلي.
كما سعت الندوة إلى إبراز الفرص التي تتيحها الميزانية التشاركية في مجال تكريس مبادئ الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الثقة بين المواطن والإدارة الترابية، فضلاً عن دورها في تحقيق تنمية محلية أكثر اندماجاً واستجابة للحاجيات الفعلية للساكنة.
افتتح أشغال الندوة الدكتور عبد الغني بامو – أستاذ باحث بجامعة ابن زهر بأيت ملول – الذي استهل كلمته بالترحيب بالحضور من أساتذة وباحثين وطلبة وفاعلين مهتمين بقضايا التدبير الترابي، معبراً عن شكره لمختلف المساهمين في تنظيم هذه التظاهرة العلمية، ومؤكداً على أهمية خلق فضاءات أكاديمية للنقاش والحوار حول القضايا المرتبطة بالحكامة المحلية وآليات الديمقراطية التشاركية.
عقب ذلك، تناول الكلمة الدكتور الرشدي الحسن – أستاذ باحث بجامعة ابن زهر بأيت ملول – حيث أكد على أهمية فتح نقاش علمي رصين حول موضوع الميزانية التشاركية، باعتبارها إحدى الآليات الحديثة لتعزيز المشاركة المواطنة في تدبير الشأن العام المحلي. كما شدد على ضرورة ربط المقاربات النظرية بالواقع العملي، بما يضمن انفتاح الجامعة على محيطها المؤسساتي والمجتمعي.
وفي السياق ذاته، نوه المتدخل بالتجربتين الرائدتين لكل من جماعة تزنيت وجماعة أيت ملول، باعتبارهما من الجماعات الترابية السباقة إلى تبني آليات الميزانية التشاركية، وما راكمتاه من ممارسات وتجارب يمكن أن تشكل أرضية مهمة لتطوير هذا الورش على المستوى الجهوي والوطني.
من جانبه، أبرز الدكتور الشرقي خيطار –باحث في القانون العام – أهمية النقاش المرتبط بالميزانية التشاركية في ظل التحولات التي تعرفها الجماعات الترابية، معتبراً أن تعزيز آليات المشاركة المواطنة يظل رهيناً بمدى توفر الإرادة المؤسساتية، وكذا بقدرة الفاعلين المحليين على ترسيخ ثقافة تشاركية قائمة على الانخراط الفعلي للمواطنات والمواطنين في صناعة القرار العمومي المحلي.
أما مصطفى المناصفي – ممثل مؤسسة هينريش بول – فقد نوه بهذه المبادرة العلمية، مؤكداً على ضرورة مواصلة إثارة النقاش الأكاديمي حول قضايا مالية الجماعات الترابية، بالنظر إلى ما تطرحه من رهانات مرتبطة بالحكامة والنجاعة والعدالة المجالية، داعياً إلى تعزيز البحث العلمي في هذا المجال بما يسهم في تطوير الأداء المالي والتدبيري للجماعات الترابية.
بعد اختتام الكلمات الافتتاحية والترحيبية، انطلقت أشغال الجلسة العلمية بمداخلة مركزية ألقاها الدكتور الحسن الرشدي، تناول من خلالها الأبعاد النظرية والتطبيقية للميزانية التشاركية، مستلهماً في بداية عرضه التجربة البرازيلية باعتبارها من التجارب الرائدة التي كان لها السبق في إرساء هذا النموذج قبل انتشاره وتعميمه على الصعيد الدولي. وقد أبرز المتدخل السياق السياسي والمؤسساتي الذي ساهم في بروز هذه الآلية، وكذا الأهداف المرتبطة بتعزيز الديمقراطية المحلية وتوسيع دائرة مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار العمومي.
كما انتقل المتدخل إلى استعراض بعض التجارب المغربية في مجال الميزانية التشاركية، مشيداً بشكل خاص بتجربتي جماعة تطوان وجماعة العرائش، لما اضطلعتا به من دور في تأصيل هذه المقاربة داخل السياق المغربي، من خلال اعتماد آليات تشاركية ترمي إلى إشراك الساكنة المحلية في تحديد الأولويات التنموية وتوجيه جزء من الاعتمادات المالية وفق مقاربة تشاركية.
وفي مداخلة تلت العرض المركزي، تدخل الدكتور رحيم الطور، بصفته عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأيت ملول، حيث أكد على أهمية استدامة النقاش الأكاديمي حول موضوع الميزانية التشاركية، بالنظر إلى ما يكتسيه من راهنية علمية وعملية في ظل التحولات التي تعرفها منظومة التدبير الترابي بالمغرب. كما نوه بالدور الذي تضطلع به المؤسسة الجامعية باعتبارها فضاءً طبيعياً لاحتضان المبادرات العلمية والفكرية الهادفة إلى تعميق النقاش العمومي وإنتاج المعرفة المرتبطة بقضايا التنمية والحكامة المحلية.
عقب ذلك، تناول الكلمة الدكتور عبد الغني بامو، الذي قارب موضوع الميزانية التشاركية من خلال ثلاثة محاور أساسية تمثلت، أولاً، في الإطار والسياق العام المؤطر للمقاربة والمنهج التشاركي، حيث أبرز التحولات السياسية والمؤسساتية التي أفرزت الحاجة إلى اعتماد آليات جديدة لتعزيز مشاركة المواطنين في تدبير الشأن العام المحلي. أما المحور الثاني، فقد خُصص لطرح الإشكاليات المرتبطة بتنزيل الميزانية التشاركية، سواء على مستوى التأطير القانوني أو على مستوى الممارسة العملية داخل الجماعات الترابية. في حين انصب المحور الثالث على مداخل التغيير والإصلاح الكفيلة بتطوير هذه الآلية وتعزيز نجاعتها في تحقيق حكامة ترابية أكثر انفتاحاً وتشاركية.
كما ناقش المتدخل المرجعيات الفكرية التي تنطلق منها الميزانية التشاركية، مبرزاً ارتباطها بعدد من التصورات الحديثة المرتبطة بالديمقراطية التشاركية والحكامة الجيدة وإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات العمومية. وانتقل بعد ذلك إلى استحضار المرجعية الدولية للميزانية التشاركية، من خلال إبراز السياق الدولي والمؤسساتي الذي ساهم في انتشار هذا النموذج، والدور الذي اضطلعت به المنظمات الدولية والهيئات الداعمة لمسارات اللامركزية والمشاركة المواطنة.
وفي ختام مداخلته، تطرق إلى المرجعية الوطنية المؤطرة للميزانية التشاركية، مستلهماً مقتضيات دستور المملكة المغربية لسنة 2011 باعتباره أرضية أساسية لترسيخ مبادئ الديمقراطية التشاركية والحكامة الترابية، ومبرزاً كيف أسس هذا التحول الدستوري لصدور القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، والتي فتحت المجال أمام اعتماد آليات تشاركية جديدة في تدبير الشأن المحلي.
بعدها انطلقت الدكتورة عائشة أمغار، نائب رئيس جماعة أيت ملول، من أرضية نظرية أوضحت من خلالها الأساس الفكري الذي تقوم عليه الميزانية التشاركية، منوهة بتجربة جماعة أيت ملول، مشيرة إلى أن هذه التجربة لا تزال جديدة وتتسم بطابع التجريب، حيث تم اختيار تأهيل حديقة “أكدال” كمشروع لتنزيل الميزانية التشاركية، وقد تم تنظيم لقاءات مع الساكنة لتحديد طريقة تهيئتها وتأهيلها. في حين، تدخل الاستاذ بوميا يوسف كفاعل جمعوي بتزنيت ليتقاسم بدوره هموم الفاعل الجمعوي المرتبطة بالتدبير العمومي الترابي، حيث استعرض تجربة جماعة تزنيت المتميزة على مستوى جهة سوس-ماسة، والتي بدأ العمل بها قبل دستور 2011. وقد مرت هذه التجربة بثلاث محطات أساسية، تمثلت في: المنتدى السنوي للجمعيات، ثم مبادرات الأحياء، وأخيراً مبادرة أفكار الشباب، وقد ساهمت هذه المبادرات في إنجاز مجموعة من المرافق الثقافية والاجتماعية بالجماعة. واختتمت أشغال هذه الندوة بتفاعل نوعي من طرف الحاضرين، الذين طرحوا مجموعة من الأسئلة المرتبطة بالموضوع.
المقررين: عمر عسو، اسماء المازوزي، باحثين في ماستر المهن الإدارية والمالية