Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

أَدْرارْ نْ دْرْنْ: زَخَمُ اللٌغَة وصَخَبُ التَاريخ إعادة الإعمار يتطلب الإنصاف أولا؛

بقلم عبدالله بوشطارت

“أدرار نْ دْرْنْ” هي التسمية الأصلية والحقيقية والواقعية لما يسمى بالأطلس الكبير، فإلى اليوم؛ وخلال وقتنا الحاضر، لا زال الناس في تلك المرتفعات يستعملون ويتداولون هذه التسمية في حياتهم اليومية، لكن في المقابل، لا نجد لها الأثر في الوثائق الإدارية الرسمية وعلى لوحات التشوير الطرقي وغيرها من الواجهات. فهذه “أعجوبة” يتميز بها بلدنا الحبيب، حيث تقوم الدولة باستبدال الأسماء الحقيقية للأمكنة والأودية والسهول والجبال والمدن، وهي الأسماء التي تجسد هوية تلكم الأمكنة، ويتم تغييرها بتسميات أخرى بديلة، في الغالب يتم تعريبها أو تصحيفها أو تغييرها بالكامل وتعويضها بأسماء مستحدثة لا تاريخ لها ولا معنى. وبهذه الطريقة تفكك الدولة هوية المجال وتاريخه وتخرب بنيته الثقافية، وتعطي له هوية مغايرة، عبر ما تحمله هذه التسميات الجديدة من معاني ودلالات، وقد تكون فاقدة للمعنى والجدوى، وبالتالي تقتحم الدولة (الإدارة) المجالات الثقافية بخصوصيات محلية، وتقوم بتنميطها وتحنيطها في قوالب ثقافية جاهزة، تضرب في العمق الهوية الحضارية المتعددة للمغرب.

فحين تقوم الإدارة بتركيز هوية مجالية جديدة (رسمية) في مكان هوية مجالية تاريخية وأصلية، فإنه يحصل نوعا من النفور إن لم نقل نوعا من الصراع بين المحلي العريق والحيوي بحكم تملكه من طرف الساكنة واحتضانه ورعايته، وبين ما هو مركزي، رسمي، فيحصل النفور منه، ولا يمتلكه الناس، لأنهم يشعرون أنه جيء به من فوق، وهذا ما يجعل أغلب مشاريع الدولة يكون مصيرها الفشل، لأنها لا تستحضر البعد الثقافي والحضاري في العمل التنموي المحلي، يحصل في بعض المناسبات أن يتم الحديث عن ضرورة الاهتمام بالخصوصيات الثقافية المحلية والتراث اللامادي والمادي، غير أن ذلك الكلام يبقى حبيس القاعات والأوراق والصالونات.

ف”أدرار ن درن” حين يتم تعريبه إلى “الأطلس الكبير” أو ما شابه ذلك، فإن ذلك يفقده المَعنى والجَدوى في أي مشروع نروم إنجازه في تلك المناطق ولفائدة الانسان الأمازيغي الذي يقطن بها. ف”الأطلس الكبير” اسم جغرافي واسع وفضفاض، يُقصد به السلسلة الجبلية الممتدة على مساحات شاسعة جدا على خريطة شمال إفريقيا، تبدأ من السواحل المغربية غربا، وتمتد إلى نواحي جبل النفوسة في ليبيا. لذلك؛ لا يقتصر وجودها في المغرب فحَسبْ، وإنما تتسع إلى الجزائر وما بعدها. فتسمية وكالة “تنمية الأطلس الكبير” جراء الزلزال، هي تسمية غير دقيقة، إن لم نقل غير منصفة. لأن التسمية الملائمة جدا هي تسمية “أدرار ن درن” الذي يغطي الأقاليم الخمسة التي ضربها الزلزال. فأين جاءت هذه التسمية؟ وكيف تم ورودها في المتون التاريخية؟ وما تحديدها الجغرافي بالضبط؟

“أدْرَارْ نْ دْرنْ” أسرار اللغة الأمازيغية الدفينة:

“أدرار ن درن” يطلق على القمم الجبيلة الأكثر ارتفاعا في السلسلة الجبلية المعروفة بالأطلس الكبير، من “تيزي ن أوماشو” غربا إلى “تيزي ن تلوات” شرقا، وهي المعروفة حاليا ب”تيزي ن تيشكا” بين مراكش ووارزازات. وهذا الحزام الجبلي الشاهق، يضم مرتفعات وقمم عالية وضخمة، تكسوها الثلوج بشكل دائم، خاصة قمة توبكال/ توبقال. وتُستعمل هذه التسمية “أدرار نْ دْرنْ” منذ أزمنة غابرة في التاريخ، كما أورد ذلك المؤرخ گسيل Gsell في كتابه، حيث أكد أن الجغرافي اليوناني “سطرابون” Strabon (توفي سنة 23م)، ذكر أن السكان يطلقون على هذا الجبل، تسمية “دْرْن” وجاء بعده المؤرخ والجغرافي Pline الذي أورد نفس التسمية. وهذا ما يؤكد على عراقة التسمية وقدمها واستمراريتها في التداول التاريخي.

أما الإخباريون والجغرافيون الذين تحدثوا عن المنطقة خلال العصر الوسيط، فقد نقلوا نفس التسمية، وقاموا فقط بترجمة “أدرار” إلى الجبل مع الإبقاء على تسمية “درن” في صيغتها الأمازيغية، “جبل درن” وبهذه الصيغة اشتهرت منذ العصر الوسيط، كما نجدها في هذا النص للجغرافي الاندلسي “البكري” في مسالكه أثناء حديثه عن الطريق بين مراكش وسوس، ويقول: “ومن مدينة نفيس إلى مدينة أنيفن مرحلة، وهي مدينة لطيفة في بطحاء كثيرة المياه والفواكه، ومنها إلى مدينة تامرورت مرحلة وهي مدينة لطيفة طيبة. ومنها ترقى إلى جبل دْرْنْ، وهو جبل معترض في الصحراء، معمور بقبائل صنهاجة وغيرها… ومن هذا الجبل ينزل إلى بلاد السوس… ويقال إنه أكبر جبال الدنيا وهو يتصل بجبال الأوراس وبجبل نفوسة المجاور لأطرابلس… وفي أعلى الجبل نهر عظيم كبير، والجبل كثير الأشجار والشعراء والثمار… وعلى مسيرة يوم الموضع المعروف بتازرارت وفيه معدن فضة قديم غزير المادة.” وأورده صاحب “كتاب الأنساب” بنوع من الدقة: “والجبل الذي هو في قبلة أغمات كان الأوائل يسمونه خشكو مما ردت ملوية إلى إيغيرنْ يِطوفْ، ويسمى في المغرب الأوسط درنْ ويسمى ببلد هوارة بجبل أوراسْ.”

أما الإخباري الأمازيغي، كَاتب يوميات وأخبار “المهدي ابن تومرت” مؤسس الموحدون، “أبوبكر الصنهاجي” المعروف ب”البيذق”، فقد أوردها بالصيغة الامازيغية التي تنطق بها محليا، أي “دْرْنْ”، ويقول: “وجاز لنا الخليفة مع طلبة أغمات على هيلانة فأصبح لنا الصباح بموقع يقال له “إمي ن- الزات”. فطلعنا مع “إمي ن- الزات” حتى وصلنا لدرنْ، وهزرجة يسبوننا، فلم نزل كذلك حتى وصلنا تيفنوت”. والبيذق هنا لم يكتب “أدرار ن درن” وإنما اكتفى بدرن كتسمية متداولة آنذاك أثناء قيام دولة الموحدين.

فماذا تعني تسمية “أدرار ن درن”؟

قام “إميل لاوست” بمجهود لغوي بليغ ومهم للغاية، لتفسير الطوبونيم “أدْرَار نْ دْرنْ” في كتابه القيم الموسوم بعنوان: contribution a une étude de la Toponymie de Haut Atlas :Adrar n Deren.. ذكر بعض الافتراضات التي يمكن أن تؤدي إلى تفسير معنى تسمية “أدرار نْ دْرنْ”، ومنها على الخصوص؛ “أدرار نْ إدْرارنْ” يعني أكبر الجبال والقمم، على غرار الكثير من التسميات التي يطلقها الأمازيغ على الأنهار والجبال، مثل التسمية الأصلية لنهر “موالربيع” الذي كان يسمى “أسيف نوانسيفن” وذكرها الكثير من الاخباريين بتسمية “نهر وانسيفن”. ومع التداول تحولت التسمية من “أدرار ن إدْرَارْنْ” إلى “ادرار نْ دْرنْ”.

ويذهب “إميل لاوست” أيضا إلى ما يفيد معنى “جوزة البلوط” التي تسمى بالأمازيغية ب “أدْرنْ”، لأن مرتفعات الأطلس وخاصة التي تسمى ب”أدْرار نْ دْرنْ” يوجد بها شجر البلوط بكثرة وكثافة، والذي يسميه الامازيغ بتاسافت، ويُرجح “لاوست” هذا التفسير. كما يقترح أيضا دلالة “أدرار إندرن”، وكلمة “إنْدْر” أو “إندرن” تعني الأنين والزئير. وتنتشر هذه التسمية في مجموعة من المناطق مثل تسمية “أسيف أونْدْرْ” الذي يصب في مدينة سيدي إفني، ويقصد بذلك الأنين والصخب الذي يحدثه الوادي أثناء جريانه، حيث يحدث صوتا قويا بفعل قوة السيول الجارفة والحاملة للأحجار الكبيرة. ويشرح “إميل لاووست” معاني ودلالات هذه التسمية، أي الجبل الزائر والذي يحدث الصخب الغامض، ساردا لبعض الحكايات والأساطير التي لاتزال راسخة في الذاكرة المحلية إلى اليوم. وتقول الحكاية أن الناس ينسبون ذلك الصخب إلى أسد عملاق وضخم يزأر في المرتفعات الجبلية، مما يجعلهم يرتابون ويخشون الصعود إليها، ولا يجتازونها إلا بمخاوف مقلقة. كما يحتمل أن تكون تسمية “أدرار إنْدْرنْ” بسبب كثرة الرعد الذي يدوي بصفة منتظمة في القمم العالية والمرتفعات الجبلية. لذلك، يمكن تسميته بالجبل الزائر والصاخب.

أما صدقي علي أزايكو، فقد استند على معجم “شارل دوفوكو” في لغة التوارگ، شارحا كلمة “ديرانْ” وجمعها “ديرانْنْ”، ومعناها الأمنية، أو التوق إلى شيء غير متوفر. و”سَادرانْ” ومعناها: التمني الشبه الدائم. و”أسْدَارَانْ” ومعناها التمني، أو الإنسان الذي يتمنى دائما شيئا ما. ويقترح أزايكو كلمة “إيدْر” لتكون فرضية معنى تسمية “أدرار ن دْرنْ” والتي تعني الحي، إدْرار إدْرْنْ” الجبل الحي بالخيرات التي يحبل بها من مياه وتمار وأشجار وأسباب الحياة والاستقرار الكثيرة. وكلمة “إيمْسُودْرْ” التي تعني التعايش. ثم كلمة “أَدْرْ” ومعناها “الضغط بشدة على شيء أفقي من الأعلى إلى الأسفل، أو الإثقال الشديد على الشيء، أو الانهاك والسحق”.

ويختصر “صدقي علي أزايكو” تفسيراته حول تسمية “أدرار ن دْرْنْ”، بقوله: “العلاقة الشكلية على الأقل واضحة، كما أن العلاقة بين الحياة والغذاء والأماني وضغط الكتلة وبين جبال دْرنْ في هذه المنطقة علاقة بديهية”.

كلمة إيدْرْ التي تعني الحي، تستعمل كثيرا، قديما وحديثا عند الامازيغ في مجموع مناطق شمال إفريقيا وصحراء التوارگ قبل زحف التعريب وانتشاره مع دخول الاسلام، وكانت تطلق على الأعلام البشرية وعلى الأشخاص، بصيغة المذكر إديرْ أو إيدْرْ، وبصيغة المؤنث “تودرت”،. وتستعمل في جبال دْرْنْ منذ القدم، ونقرأ عند البيذق الذي كتب كتابه أثناء بداية دولة الموحدين: “وذلك أن الخليفة أمرنا بالخروج فخرجنا حتى وصلنا “تينلين” متاع يرگين بن ويدٌرْنْ”، ونلاحظ أن كلمة “إدْرْنْ” كانت مُستعملة ومتداولة كاسم علم. وتجدر الإشارة إلى انتشار عدة مفردات وتسميات في مناطق مختلفة لها ارتباط وثيق بتسمية “دْرْنْ” مثل تسمية “إدرْنَانْ” المنتشرة في جبال الأطلس الصغير، حيث يعقد موسم “إدرنان” يتناول فيه الناس بعض المأكولات والاطعمة المميزة احتفالا بقدوم الموسم الزراعي، ونلاحظ أن التسمية هنا لها علاقة بالاحتفال بالزراعة عن طريق تناول بعض الأطعمة التي يشتهر بها الأمازيغ في الجبال.

إن عملية التعريب التي ذهبت المنطقة ضحيتها منذ صعود دولة الموحدين، جعلت البحث في تفسير دلالات أسماء الأماكن والاعلام البشرية أمرا صعبا للغاية، يزيده تعقيدا الوضع القهقري الذي تعيشه اللغة الأمازيغية لعدة قرون.

فكيفما كانت دلالة “أدرار نْ دْرنْ”، الجبل الحي، أو جبل البلوط، أو الجبل الصاخب والثائر والزائر، فإن ذلك كله يوحي ويؤكد على حقيقة واحدة وهي فعلا إنه “الجبل الحي الشامخ”، الذي ساهم في مهد الحضارات وبناء الامبراطوريات الأمازيغية الكبرى في شمال إفريقيا والصحراء، يسكنه شعب عريق عاش فيه منذ أزمنة سحيقة وموغلة في التاريخ، مهما تسارعت التحولات الكثيرة في نهش سفوحه، إلا أنه بقي حصنا منيعا للغة الأمازيغية، التي يعتبرها المؤرخ صدقي أزايكو “الكنز الذي تتبلور فيه كل المعارف”.

نقول هذا، ونعلم أن الحكومة المغربية لن تغير تسمية “وكالة تنمية الأطلس الكبير” إلى وكالة تنمية “أدرار نْ دْرْنْ”، لأننا ندرك أن “داء العطب قديم”، لكن مسؤوليتنا الأخلاقية والنضالية والمعرفية تقتضي قول هذا ونشره وتعميمه….

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.