واحة آيت منصور.. “قطعة من الجنة” منْسِية في عمق الأطلس الصغير

سعيد مكراز – تافراوت (العمق)

“أغلب السياح الوافدين على واحة أيت منصور، هم أجانب من مختلف دول العالم، ويفضلون أن يطلقوا عليها قطعة من الجنة”، بهذه العبارة استقبلنا عبد الرحمن، كهل في نهاية الخمسينات من عمره، فضل الرحيل عن مدينة مراكش منذ عقود، والاستقرار نهائيا في واحة أيت منصور، الموجودة في مدخل الجماعة الترابية أيت وافقا دائرة تافروات إقليم تزنيت.

“العمق” قضى ساعات مع هذا الحارس الأمين، الذي كشف، بعفوية وحرقة، جانبا من المشاكل، التي تعيشها الواحة، وتهدد حياة المئات من أشجار النخيل، والغطاء النباتي بهذه التحفة الطبيعية، و التي ترصع مدخل الجماعة بلون أخضر يدوم اخضراره 365 يوما.

الوصول إلى قطعة “الجنة”؟

لولوج واحة أيت منصور، يمكن للمسافر القادم من مدينة أكادير أن يصل إليها بالمرور عبر الطريق الجهوية رقم 105، الرابطة بين مدينة أيت ملول، وتافراوت، مرورا بإدا وكنضيف في إقليم شتوكة أيت بها، وتصل مدة الرحلة بالسرعة العادية للسيارة أو الحافلة ثلاث ساعات في طريق معبدة عرفت تقوية عدة مناطق منها ، خاصة النقطة الرابطة بين مدخل إداوكنضيف وجماعة سيدي مزال ، وبالرغم من ذلك مازالت تحتاج إلى صيانة وتوسعة في مناطق مهمة خاصة بعض المنعرجات الخطيرة بين جماعة سيدي مزال وتافراوت . .

كما يمكن الوصول إلى تافراوت عبر الطريق الوطنية رقم 1، مرورا من مدينة أيت ملول إلى تزنيت، ثم الانعطاف يسارا بمدخل تزنيت عبر الطريق الجهوية رقم 104، ويبلغ طول هذه الرحلة حوالي 203 كلم، يمكن قطعها في أربع ساعات، وعند الوصول إلى تفراوت، يقطع المسافر حوالي 8 كلمترات، ثم ينعطف شمالا عبر طريق غير مصنف، طوله حوالي 23 كلم، تتميز بوجود منعرجات خطيرة، تؤدي مباشرة إلى قلب واحة أيت منصور، هذه الأخيرة تبعد عن مركز الجماعة الترابية أيت وافقا بحوالي 10 كلم.

مملكة النخيل 

عند الاقتراب من الواحة، قد لا نحتاج إلى بوصلة أو جهاز “GPS” ليدلنا عنها، حيث طلائع، وقامات النخل الباسق تظهر للعيان على بعد كلمترات في منعرجات جد خطيرة، وفي طريق غير مصنف، يحتاج إلى صيانة وتوسعة.

وعند الوصول إلى عمق الواحة يجد الزائر نفسه وسط اللون الأخضر، الذي يعم المكان، مما يجعل العين ترتاح لإلقاء النظر في الأفق الممتد في فج عميق يصل طوله أزيد من 5 كلمترات.

العيون مصدر الحياة

يحيط بالواحة حوالي عشرة أعين للمياه، أغلبها يأتي من الجبل المقابل لها، لذلك فالمياه دائمة الجريان وطوال السنة، و العذبة منها تشفي غليل الزوار، وتمنح للأشجار الطاقة لمواصلة الزحف في السماء، توتي ثمارها كل حين، كما تسمح للمثمرة منها في تفريع الأغصان، وإعادة دورة الإنتاج كل سنة، بطرحها للتين الرطب، والحوامض والزيتون الأخضر .

الغطاء النباتي 

تتنوع الأشجار هنا في الواحة، بين نخل، وليمون، وحوامض، ولوز، ويبقى القاسم المشترك بينها أنها تنمو بدون مبيدات، وأسمدة كيماوية، ما يجعل ثمرها تخرج للحياة، وتستنشق نفحات رائحة صخور الكرانيط المحيطة بالواحة، غير أن الأمور ليست كلها هنا وردية، فالخنزير أصبح يقض مضجع الفلاحين الصغار، وحتى النخل يعاني مرض “البيوض”، الذي يفتك به في صمت.

الخنزير والأزبال والحرائق: العدو اللدود

ليست كل الأشياء وردية جميلة في الواحة ، حدثنا عبد الرحمن أن العدو اللدود اليوم للواحة هو الخنزير البري، الذي يعتو ويسير في الأرض فسادا، من دون حسيب، ولا رقيب، تحميه القوانين، التي سنتها مصالح المياه والغابات.

ويلحق الخنزير خسائر فادحة بمنتوجات الفلاحين الصغار، حتى أن أغلبهم اليوم فضل عدم البحث عن خيرات الأرض من خضر، وفواكه بفعل هذا الزائر الثقيل، الذي يهدد في بعض الأحيان الساكنة في حياتها، وتبقى حملات الإحاشة والصيد، الذي يقوم به الصيادون في فترات منتظمة من السنة، الأمل الوحيد للساكنة للتخلص من هذا الحيوان، الذي لا يسمن، ولا يغني من جوع.

والعدو اللدود الثاني، حسب عبد الرحمن، للواحة ونخيلها، هو الأزبال، التي يخلفها الزوار، يقول رفيقنا “أغلب الزوار، الذين لا يحترمون الطبيعة من الداخل، وليس الأجانب، والسياح، ونعاني كثيرا بعد زيارتهم للواحة، يتخلصون بطريقة عشوائية من فضلاتهم، ويرمون بالأكياس، والقنينات البلاستيكية في مجاري المياه، وهو ما يشكل خطرا على البيئة هنا، حتى أن السياح الأجانب لاحظوا، أخيرا، هذه النقطة السوداء، وأعمل قدر المستطاع جمع ما يمكن جمعه من مخلفاتها، التي لا تنتهي”.

وتبقى الحرائق النقطة السوداء الثالثة التي تهدد مستقبل الواحة ، فالوقاية المدنية التي يتواجد أقرب مركز على بعد 30 كلم ، وبامكانيات جد محدودة ، لاتصل إلى الواحة إلا بعد أن تلتهم الحرائق التي تندلع خاصة في فترات الصيف ، حتى تلتهم النيران أعدادا مهمة من النخيل ، وقد سجل عبد الرحمن تواريخ محفورة في ذاكرة الواحة ، أهمها غشت 2013 .الذي أتى على أعداد كبيرة من أشجار النخيل والركان واللوز.

لمسة الدولة شبه غائبة

باستثناء الطريق المعبد، الذي يخترق جسد الواحة من شرقها إلى غربها، فلمسة الدولة لا تزال غائبة في هذه البقعة السياحية، يقول عبد الرحمن: “لمسة الدولة لا تزال غائبة في الواحة، لا وجود لمرافق صحية، ولا لمواقف للسيارات، ولا إنارة عمومية تنير جنباتها، ولا علامات التشوير، نعمل بإمكانياتنا الذاتية، نقوم بحملات نظافة بين الفينة والأخرى، ونطالب اليوم الجهات الوصية من مجالس منتخبة، والمجلس الجهوي للسياحة، ومندوبية وزارة السياحة تخصيص جانب من اهتمامهم للواحة، فهي تستحق الأفضل.

“أومليط” مصنفة عالميا

من الأمور الاسثثنائية، التي وقفت عليها “العمق” في الواحة، تصنيف أكلة تحت اسم “oumlette abdou berbere “، يتقنها عبد الرحمن، وتم إدراجها في أحد الموسوعات العالمية يطلق عليها “lonely planet” تعنى بالسياحة عبر العالم، وتصدر بثمان لغات عالمية.

وأكلة “oumlette abdou berbere” شعبية مغربية يتم تهيئها بالبيض، والطماطم، والقزبر، والبصل، والثوم، ويعمل عبد الرحمن على تهيئتها بلمسته الخاصة، معتمدا على بهارات “بهجاوة”، وزيوت، وخضر “سواسة”، وجميع الأجانب، الذين تذوقوا هذه الأكلة، اعترفوا بأنها لذيذة للغاية، وأغلب المنتديات، التي يدون فيها الزوار ملاحظاتهم يركزون عليها، وبالتالي فكل فوج يحضر ضيفا عند عبد الرحمن إلا ويطلب منه إعدادها”.

بصمات السياح في أرض التسامح

قال عبد الرحمان: “لا تغادر المجموعات السياحية، التي تنزل بالواحة دون أن تترك تذكارا لها هنا، وآخرها إصرار سائح ألماني من مدينة بون، كان برفقة زوجته السانغافورية على رسم جدارية بغرفة أستغلها لوضع أغراضي الخاصة، فرسم جلسة تضمنا نحن الثلاثة، وفوق رأس كل واحد منا كلمة الشاي بلغته الأصلية، وحينما سألته أجاب: الشاي جمعنا في أرض التسامح المغرب”.

وتعددت آثار السياح هنا في الواحة، منهم من عمد ترك بصمته فوق الأحجار الكرانيطية المحيطة بجنباتها من خلال نقش اسمه وتاريخ الزيارة.

تقييم السياح للواحة : 5/5

أغلب المواقع الإلكترونية، التي تقدم خدمات للسياح عبر العالم، يُقيِّمون الواحة، ويمنحونها درجات عالية، فموقع “طوب ادفيزور” المشهور عالميا، يحتوي على تعاليق، وشهادات دونها زوار المنطقة عبر العالم، كما يتضمن الطريقة المثلى، والمريحة للسياح للوصول إلى عمق الواحة من مدينة أكادير.

شباب ينتفض

انعقد، في8 ماي الماضي، الجمع العام الاستثنائي لتجديد جمعية التنمية السياحية لمنطقة تفراوت، وتقلد منصب الرئاسة الشاب ياسر شهمات، وقال في تصريح للعمق بأن التجديد جاء بعد الركود، الذي عرفته مسيرة المكتب المنتخب السابق، مشيرا في حديثه إلى أن السياحة تعد قطاعا مهما، وحيويا لتحريك عجلة الاقتصاد.

وأضاف شهمات: “وضعنا خطة عمل جديدة سيتم تنزيلها على أرض الواقع في أقرب الآجال، تعتمد على تحقيق هوية إضافية لمنطقة تفراوت، سجلنا بكل أسف، أخيرا، ركودا في هذا القطاع، وسنحاول العمل على هذه النقطة بالذات، ومن بين الأولويات، التي سنشتغل عليها تثمين واحة أيت منصور، التي تبين للأسف الشديد أنها لم تسوق بالشكل الجيد، هدفنا اليوم أن نحتفظ بالسياح على الأقل لمدة أسبوع في منطقة تفراوت، فأغلبهم اليوم لايقضون سوى ليلة، أو ليلتين في المنطقة، لذلك نفكر جديا في خلق مسارات سياحية، وأنشطة ينخرط فيها السياح، فإن كانت الصويرة والداخلة تستغل الرياح والبحر؛ وفاس، ومراكش، والرباط تستغل أسوارها، وبناياتها القديمة لاستقطاب السياح، فنحن كذلك في تفراوت لدينا مؤهلات في هذه الرقعة الجغرافية.

فاعل جمعوي يتحدث

الحسن السعيدي، فاعل جمعوي في المنطقة، قال في تصريح للعمق، قال إن الواحة أدت دورا تاريخيا مهما، خصوصا في إعمار المنطقة بالسكان، فأغلب الأسر قدمت المنطقة منذ القدم لوجود المياه بوفرة.

وأضاف السعيدي أن الواحة تؤدي اليوم دورا مهما في دورة الحياة الإيكلوجية في المنطقة عموما ، حيث تلعب دور المبرد، والمروحية، التي تزود تافراوت بالهواء الرطب، غير أنه للأسف الشديد يقول المتحدث ذاته: ” تعرف الواحة في الآونة الأخيرة تدهورا بفعل الإهمال، الذي تعيشه، ويعمل النسيج الجمعوي بجماعة أيت وافقا بتنسيق مع مديرية الفلاحة على تنظيم حملة نظافة كل سنة بتمويل خاص، يتم خلاله التخلص من النخيل المتساقط، وجريده اليابس، كما تقوم الجمعيات المذكورة بحملة نظافة، غير أن ذلك لايكفي لضمان وجه يليق بها طوال السنة”.

من جهة أخرى، قال السعيدي في تصريحه إن المستفيد الأول، والأخير من الواحة، وطبيعتها هو بلدية تافروت، حيث يقضي السياح يومهم، والقلة القليلة منهم تقضي ليلة أو اثنتين في النزل الوحيد، الذي يديره عبد الرحمن.

رحلات مغرية بأقل من 500 درهم”

ظهرت، أخيرا، مجموعة من شركات السياحة الوطنية، تقدم هي الأخرى خدماتها، خصوصا للشباب الراغب في خوض مغامرة زيارة الواحة في إطار مايسمى les rendormes، وتقدم عروضا مغرية بأسعار لا تتجاوز 500 درهم لمدة يومين، ويتضمن المبلغ تكلفة السفر لزيارة الواحة، وعدد من المناطق الطبيعية بتافراوت من قبيل جبل “قبعة نابوليون” في مدخل قرية أكرد أوضاض، ومنطقة اومركت، المعروفة بجبال “les roches peintes”، ووادي أملن، وصولا إلى واحة أيت منصور عبر حافلة مكيفة مع توفير بعض الوجبات الغذائية، ومبيت الليلة الأولى بنزل وسط الواحة.