Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

المحاسب بين مطرقة الالتزامات وسندان الإهمال: هل آن أوان الإنصاف؟

بقلم محاسب معتمد

مع نهاية كل سنة محاسبية، ينشغل المحاسبون بإغلاق الحسابات، إعداد القوائم المالية، وتقديم التصريحات داخل الآجال القانونية. سباق محموم مع الزمن، يتكرر كل عام، لكنه هذه المرة يطرح سؤالًا عميقًا: ماذا عن المحاسب نفسه؟ ماذا عن واقعه المهني والإنساني وسط هذا الضغط المتواصل؟

لقد كانت السنة المنصرمة قاسية بكل المقاييس. معاناة يومية مع زبناء لا يلتزمون بالآجال، وتأخيرات متكررة تُربك سير العمل وتضع المحاسب في موقف حرج. وفي المقابل، يواجه المهني أعطابًا تقنية في النظام الضريبي، غالبًا في لحظات حاسمة، تحول دون إيداع التصريحات في وقتها، دون أن يقابل ذلك أي تفاعل جدي من الإدارة لرفع الضرر أو إعفاء الغرامات الناتجة عن اختلالات خارجة عن إرادته.

الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل تتراكم الالتزامات سنة بعد أخرى، مع فرض تقارير جديدة ومتطلبات إضافية، دون أي تخفيف أو مواكبة. وكأن المحاسب مطالب دائمًا بتحمل العبء كاملاً، دون حماية أو اعتراف حقيقي بدوره الحيوي داخل المنظومة الاقتصادية.

المعضلة الأكبر تكمن في غياب إطار قانوني صارم ينظم المهنة ويصون كرامة ممارسيها. هذا الفراغ فتح الباب أمام فوضى في الأتعاب، وممارسات غير مهنية تسيء إلى سمعة القطاع، مثل الاشتغال بأثمنة بخسة أو تسليم المعطيات الحساسة للغير، مما يقوض الثقة ويضرب مصداقية المهنة في العمق.

أما على المستوى الإنساني، فالوضع لا يقل خطورة. ضغط مستمر، توتر يومي، وإرهاق نفسي وجسدي في غياب أي دعم مؤسساتي أو آليات للمواكبة. إنها معاناة صامتة يعيشها المحاسب خلف الأرقام والجداول، بعيدًا عن الأضواء.

إن استمرار هذا الوضع لم يعد مقبولًا. فالمهنة اليوم في حاجة ملحة إلى إصلاحات جذرية، تبدأ بتقنين واضح وصارم، مرورًا بتنظيم الأتعاب، ومراقبة الممارسات غير القانونية، وتقنين وضعية المستخدمين والمتدربين. كما أن تمثيلية المحاسبين داخل الغرف المهنية يجب أن تكون حقيقية وفعالة، تعكس صوتهم وتدافع عن مصالحهم.

ومن بين المقترحات العملية كذلك، إحداث مكاتب خاصة بالمحاسبين داخل المحاكم وإدارات الضرائب، وفتح قنوات حوار جادة مع الجهات المعنية، قصد معالجة الإشكالات اليومية التي تعيق أداءهم.

لكن، رغم كل هذه التحديات، يبقى الرهان الأكبر على المحاسب نفسه. عليه أن يدرك قيمته، وأن يرفض الاستمرار في دائرة التهميش، وألا يقبل بأن يكون الحلقة الأضعف في منظومة تعتمد عليه بشكل أساسي.

نهاية سنة محاسبية ليست فقط محطة لإغلاق الحسابات، بل فرصة لفتح نقاش حقيقي حول واقع المهنة ومستقبلها. فإما أن يستمر الوضع على حاله، أو أن تكون هذه اللحظة بداية وعي جماعي يعيد الاعتبار للمحاسب، وينقذ المهنة من الانحدار.

فهل تكون سنة 2026 سنة التحول… أم مجرد امتداد لمعاناة تتكرر كل عام؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.