بوشطارت : افني بدون سردين، افني بدون اوكسجين
لا يعقل ان نكون في عز شهر غشت في افني وأحوازها التلية، بدون أن نتذوق السردين، بدون أن نشم رائحة دخانه تتعالى في الأزقة المجاورة لسوق السمك وسط المدينة…
كنا في أيام الطفولة، نأكل السردين يوميا في فصل الصيف حتى أن العائلة يوصون الذاهب إلى المدينة أن لا يأتي بالسردين…هان ادور تاويت السردين …
بل كلنا نتذكر تلك السيارة البيضاء المعروفة بالرونو في القبيلة تتجول بين الدواوير لبيع السردين، واتذكر يعني خلال التسعينيات وبداية 2000 كان السردين لا يتجاوز درهمان او ثلاثة دراهم للكيلو على الأكثر اما في المدينة فلا يتجاوز درهم واحد، وما من مرة ذهبنا إلى الميناء ونأتي بصندوق من السردين مجانا …كانت السفن تأتي بالأطنان من السردين …
اليوم دخلت إلى سوق السمك بمدينة إفني ، باحثا عن السردين والسمك ولم اجد أي شيئ، هذا السوق المهترئ جدا الذي يشوه سمعة المدينة، يسمى محليا ب المارشي وهو القلب النابض للمدينة، تطوف حوله كل الوظائف التجارية التي تحرك الدورة الاقتصادية بالمدينة “الراكدة” حول المارشي تتواجد سلسلة من المقاهي والمطاعم، محلات بيع الخبز ، محلات تجارية لبيع الملابس وغيرها، لكن للأسف الجزء المخصص لبيع الأسماك لا تتوفر فيه ادنى شروط النظافة والسلامة الصحية والتجارة والراحة، يعاني من تراكم الأزبال ومياه بقايا الأسماك التي تتحول إلى برك مائية نتنة ومتسخة تنبعث منها روائح تزكم الأنوف …النساء والرجال الذين يتبضعون ويبحثون عن الأسماك يضطرون إلى رفع سراويلهم وثيابهم إلى الأعلى حتى لا تتبلل بمياه متسخة …
هذا المارشي منذ أن كنت طفلا فهو على نفس الحالة، غير مغطى غير منظم، عشوائي، فوضوي..حتى الأسماك يتم وضعها وتقديمها للزبون بطرق غير سليمة اما على أغطية بلاسطيكية او على طاولات إسمنتية …
استفسرت عن سمك الفلايك يعني الخارج من المرفأ فلم اجده، استفسرت عن سمك الشبايك فلم اجده، سألت عن اسماك القصبة فلا اثر لها ..قلت للصديق بائع الأسماك …مايگا غاياد؟ فقال : كولو أوسان اد أور لين…
هل يهاجر سردين افني كما يهاجر أبناء المدينة والإقليم إلى المدن الأخرى قصد التعليب في علب حديدية بمعامل طانطان وايت ملول وآسفي ؟
لكن، ما يحز في النفس هو هذا السوق، الذي لم يعد خاص بالسمك، بعدما لاحظت زحف بائعي الدجاج على المكان المخصص لبيع الأسماك، بسبب قلتها وارتفاع اسعارها التي وصلت مستويات مرتفعة جدا..كيلو سمك القرب المعروف بكوربينا وصل إلى 150 درهم فما فوق…وامام هذا التغول في غلاء أسعار السمك ..التجأ التجار إلى بيع الدجاج الرومي ، وحتى الساكنة وجدت في الدجاج الأبيض متنفسا وبديلا، لكنه هو الآخر يبدو انه سيتبع نفس مسار السمك ، بعد ان قفز سعر كليو غرام الواحد من الدجاج الحي إلى حوالي 28 درهم ومرشح للارتفاع …
خرجت من سوق السمك الذي لم تبق منه إلا الرائحة، فوجدت أمام الباب شابان يبيعان الكرموس، تاكرميست فسألته كم ؟ فأجاب احدهما 25 درهما للكيلو ؟
ماشي بزاااف؟ هادشي باش كان بيعوها ؟
واش ديال آيت باعمران بعدا هادي ولا من فين ؟
لا اخويا هادي السلعة ديال انزگان..
حتى هذا الكرموس الذي كنا نأكله مجانا في ألالن ، البساتين التي كان ايت باعمران يزرعون فيها تازارت ، اصبحنا اليوم نشتريها ب 25 درهم للكيلو….
هل هذه كلها نتائج تغيرات مناخية؟
لا وجود للصبار أكناري فاكهة المنطقة، بعد انقراضها بسبب الحشرة القرمزية، لا وجود للعسل بعد اندثار النحل، لا وجود لارگان بسبب الجفاف، لا وجود للسردين بسبب اقتصاد الريع ، لا وجود للكرموس تازارت بسبب الجفاف…لا وجود للحم المعزي بعد انقراض الكسابة بسبب الجفاف والرعي الجائر !!!
فأين هي المنتوجات المحلية؟
في سوق المدينة لا يوجد إلا لحم الدجاج الأبيض ولحم البقر ؟ فالدجاج مستورد من اكادير وأحوازه ولحم البقر ايضاً من سوس او من الشاوية ثم الخضر والفواكه جميعها تأتي بها الشاحنات من انزگان إلى حوانيت المدينة تفرغ فيها شحنتها؟
لا توجد مادة واحدة او منتوج واحد محلي يتم إنتاجه في افني مدينة وإقليما، حتى القزبور والنعناع الذي كان بعض الفلاحين الصغار يأتون به في البساتين الصغيرة بجانب أسيف اوندر بمدخل المدينة فإنها هي الأخرى زحف عليها الجفاف أو لم تجد من يفلحها بعد عياء ورحيل الفلاحون الذين كانوا يعتنون بتلك الحقول الصغيرة…
اقليم سيدي افني يعاني من الجفاف ولا ينتج أي شيء، لكنهم ينظمون مهرجانا حول تسويق المنتوجات المحلية؟؟؟
على من يكذب هؤلاء ؟
هل على الساكنة ؟
أم على الدولة ؟
أم على انفسهم ؟
كان الأحرى بهم الاكتفاء بتنظيم مهرجان واحد فقط، ثم الاعتناء بالمدينة وأحوال الفلاحين والكادحين والمحرومين الذين تعج بهم المدينة والإقليم ؟
أما تنظيم مهرجان ثاني في اقل من شهر بمدينة صغيرة فقيرة ، مهمشة، تعاني من الإقصاء …مثل افني، فإنها فكرة غير سليمة، حتى وأنهم يتوفرون على ميزانية ذلك، فلا يجب صرفها في تنظيم مهرجان بتيمة تسويق المنتوجات المحلية …الأحرى والأولى تأهيل وإعادة بناء سوق السمك الذي يليق بساكنة المدينة وزوارها
إنها منتوجات غير موجودة…نحن نعيش في البادية، نشتري كل شيئ، نشتري الماء والحليب واللبن والخضر والفواكه والزيت والعسل وارگان وأملو والزبدة واللحم ، نشتري التمر واللوز والجوز نشتري حتى الزرع والقمح والدقيق وحتى التبن ..،
نشتري كل شيئ من المدينة لأن البلاد لم تعد قادرة على انتاج أي شيئ بسبب الجفاف وبسبب الغلاء…وحين ننزل إلى المدينة ينظمون لنا مهرجان خاص بتسويق المنتوجات المحلية …؟ فأين يجدونها وأين ينتجونها ؟
اللهم إذا كان هؤلاء الموظفون الذين ينظمون المهرجان ينتجون منتوجا داخل مكاتبهم المكيفة…
او ربما سيجلبون تعاونيات خارج الإقليم لعرض منتوجاتها ونحن نعرف بعض التعاونيات النشيطة في الإقليم كيف تعمل وكيف تشتغل وكيف تنتج ؟
احوال المدينة والإقليم لا تبشر بالخير…والساكنة ذكية جدا تعرف كل تفاصيل ما يجري، وتتابع خيوط اللعبة كيف تحاك، هي غاضبة ولكنها صامتة…أملها في التغيير قوي، تغيير مؤسساتي حقيقي …
ثقتنا كبيرة في المؤسسات للنظر إلى اقليم سيدي إفني …الساكنة بدأت تتألم من وجع الانتظار …