الرايس سْعيد أوتجاجت .. ذاكرةٌ ثقافية وإعلامٌ بديل

بقلم التجاني الهمزاوي.
في مثل هذا اليوم من السنة الماضية انطلقت قناة الرايس سعيد أوتجاجت على يوتوب في بث برنامج حواري تحت مسمى “إسْكا نكاور دونازور”، وبلغ نسبا محترما من المشاهدة والتفاعل. بل أثار نقاشات مهمة ومفيدة وساخنة حول الفن والفنانين بمنطقة سوس.
والبرنامج عبارة عن حوار يستقبل فيه الرايس سْعيد ضيفا أو أكثر ويسألهم حول جوانب من حياتهم الشخصية، وبدايات مشوارهم المهني/الفني وكذا رأيهم في واقع الفن الأمازيغي، ونظرتهم لمستقبل هذا الفن. وقد أبان الرايس سعيد عن موهبة متميزة في المحاورة الصحفية، وقدرة هائلة على استقطاب الفنانين وإقناعهم بالمشاركة والحوار.
اليوم ونحن نحتفل بالسنة الأولى لهذه التجربة، أعتقد أنها تستحق وصف “ذاكرةٌ ثقافية وإعلامٌ بديل” للأسباب التالية:
I. ذاكرة ثقافية:
– لأن البرنامج تمكن من تسجيل 66 حلقة طيلة سنة أي بمعدل يفوق حلقة في الأسبوع. وكلها متاحة للمشاهدة وإعادة المشاهدة، بخلاف برامج أخرى في الإذاعة والتلفزيون التي يصعب العثور والاطلاع على أرشيفها.
– لأن البرنامج تمكن من استضافة أكثر من 70 ضيفا ذكورا وإناثا من الوسط الفني، يتميزون بالتنوع من حيث التخصصات الفنية )موسيقى، غناء، مخرجون، مسرحيون، فكاهيون، سينمائيون بل استضاف حتى عميد الصحافة الفنية بسوس محمد ولكاش(.
– لأن ضيوف البرنامج ينتمون لأربعة أجيال مختلفة، وتغطي ذاكرتهم ما يفوق نصف قرن من الفن الأمازيغي، حيث نجد مواليد 1940 ومواليد نهاية التسعينات من القرن الماضي.
– لأن البرنامج تمكن من توثيق 60 ساعة من الحوارات أي حوالي 40 بالمائة من مجموع الإنتاج الخارجي للقناة الأمازيغية لسنة 2018.
– انتماء الرايس سعيد للأسرة الفنية منحهُ قدرة على تدقيق وتعميق الأسئلة، ومقارنة الشهادات التي يقدمها الضيوف، ومحاججتهم في بعض التفاصيل. مما جعل الحوارات ذات مصداقية عالية وبعيدة عن لغة المجاملة الإعلامية.
II. إعلام بديل:
– لا تخفى الأريحية التي يتحدث بها الضيوف في البرنامج ويتفاعلون بها مع الأسئلة، وذلك بسبب اللغة الأم البسيطة التي يدور بها الحوار. وكذا بسبب الجو الأخوي غير الرسمي الذي يحققه صاحب البرنامج.
– رغم أن البرنامج استقبل العديد من النجوم الذي أتيحت لهم فرص إعلامية سابقا، إلا أنه استقبل كذلك مجموعة من الوجوه التي لم يسبق الالتفات إليها من طرف الإعلام.
– يتقاطع كل الضيوف في كون بداياتهم الفنية كانت خارج أي تأطير مؤسساتي (معهد، أو دار الشباب…إلخ) ، مما يؤكد أن الفن الأمازيغي محتضن شعبيا ومنبوذ مؤسساتيا.
– كل الضيوف يؤكدون أنهم قدموا تضحيات مالية واجتماعية في مشوارهم الفني، وكلهم عبروا عن اعتزازهم بالانتماء للحقل الفني، وأكدوا عزمهم على الاستمرار فيه استنادا على حب المهنة وعلى احتضان الجمهور لهم.
– كل الضيوف عبروا عن مواقف نقدية للسياسات العمومية، واستعملوا لغة “نضالية” لإدانة التهميش واللامساواة الذي تنهجه ضدهم المؤسسات الرسمية. بل هناك شهادات بشأن التعرض للاحتقار من طرف مسؤولين عموميين.
– منشط البرنامج يقوم بتحسيس الضيوف ببعض حقوقهم، ويحاورهم في مواضيع تبدو أحيانا بعيدة عن مجال تفكيرهم واهتمامهم. ولا أدلّ على ذلك من احتفال البرنامج برأس السنة الأمازيغية واليوم العالمي للمرأة.

برنامج “إسكا نكاور دونازور” في نظري هو علامة فارقة في تاريخ الإعلام الفني وتوثيق الذاكرة الفنية، رغم حاجته لشحنة من التقنيات الجمالية والإعلامية الحديثة.
وأتمنى لصاحبه التوفيق وأتمنى من عموم المهتمين الالتفات لمثل هذه المبادرات وتثمينها والدفع بها في مسار التطور والنجاح.

لاكتشاف البرنامج أسوق لكم رفقته نموذج حلقة مولاي علي شوهاد، الذي اجتمع فيها ما تفرق في غيرها : ذاكرة – موسيقى – نضال