الحسين بويعقوبي : الحجر الصحي والعنف الأسري…

في ظل التوثر وحالة الترقب والخوف من المجهول مع انتشار وباء كورونا العالمي ومع غياب دواء ناجع لحدود الساعة كان الحجر الصحي إحدى الطرق التي التجأت إليها كل الدول للحد من انتشار الوباء. ولهذا الحجر تداعيات مختلفة لدرجة يتحدث البعض عن ما بعد كورونا باعتبارها مرحلة ستختلف تماما وعلى جميع الأصعدة عما قبلها، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وقيميا. وقد ظهر أن لهذا الحجر الصحي تأثيرات ايجابية على المستوى البيئي حيث بدت سماء المدن الكبرى أقل تلوثا وبدأت بعض الحيوانات والطيور تعود للمدن بعد أن خلاها الإنسان وابدعت المجتمعات طرق جديدة في التعاون والتآزر فازداد منسوب الانسانية وظهرت علامات السعي للوحدة لمواجهة عدو مشترك قد يفتك بالجميع.
وداخل البيوتات اكتشف البعض لأول مرة بعض مرافق المنزل واضطر للقيام بأعمال منزلية لم يتعود عليها وتقرب أكثر من أبنائه وآبائه فبدأ الإكتشاف المتبادل بين أفراد الأسرة الواحدة بعدما فرقهم الشارع بملاهيه، وقد يجد البعض متعة القراءة والكتابة والإبداع في مختلف المجالات. وقد أبدع المغاربة في انتاج النكت عن هذا الوضع الجديد ومن ذلك أن رجلا يكتشف لأول مرة بأن زوجته عرجاء شيئا ما رغم زواجهما لسنين طويلة.
لكن إلى جانب هذه الأمور الإيجابية لابد أن نشير إلى أن البقاء خارج البيت لمدة طويلة كان تدبيرا لوضعية عائلية تتحكم فيها أمورا أخرى. فالعائلة المتعددة الأفراد والساكنة في بيت صغير، قد يكون غرفة واحدة، تجعل من الشارع فضاء لحل إشكال الإكتضاض الداخلي، ولذلك يقضي الأطفال جزءا من الوقت في المدرسة أو في الشارع ويقضي الرجل وقته في المقهى. كما أن المكوث طويلا خارج البيت يقلل من نسبة إمكانية وقوع مشاكل وصراعات سواء مع الزوجة أو مع الأبناء.لكن هذا الحجر الصحي الإضطراري خلط الأوراق وقلب الموازين، واضطر الجميع للمكوث في البيت، صغيرا كان أو كبيرا، سواء كانت الأسرة قليلة العدد أم كثيرة. وهنا سيضطر الجميع لتذبير هذا الوضع الجديد، وهو أمر ليس بالهين، خاصة بالنسبة للأسر التي لا يتوفر أعضاؤها على هوايات خاصة، وتلك التي يرتبط معيشها بالخروج اليومي للشارع فيزداد التوثر والقيل والقال فالكلام النابي ثم الشجار. وهنا تتشكل الظروف المواتية للعنف الأسري بمختلف أشكاله : بين الزوج والزوجة، وبين الأب والأبناء وكذا بين الإخوة وبين مختلف الأفراد الذين فرض عليهم المكوث جنبا إلى جنب لمدة طويلة. لقد انتبهت فرنسا إلى أن هذا الحجر يزيد من العنف الأسري خاصة ضد النساء، ففكرت في حجر من نوع آخر بعزل الرجال الذين يمارسون العنف على نسائهم، وقد تظهر حالات رجال ضحايا عنف بعض النساء. والأكيد أن هذا الموضوع قد لا يتنبه إليه في أجواء “الحرب” مع كورونا، لكن نتائجه ستظهر فيما بعد، ولابد من التفكير في مواكبة الأفراد ضحايا حجر كورونا كما هو الحال بالنسبة لاحترام حقوق الإنسان في كل إجراء يرمي إلى تطبيق الحجر الصحي.