Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

تحالف اليسار والعدالة والتنمية: حدود التوافق السياسي ومعنى المعارضة المبدئية

بقلم الفاعل المدني سعيد رحم

يبدو أن النقاش الدائر اليوم حول طبيعة العلاقة بين حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار يكشف عن سوء فهم واضح لحدود التحالفات السياسية وضوابطها، وعن خلط بين التنسيق البرلماني من جهة، والتحالف السياسي القائم على أرضية فكرية وبرنامجية مشتركة من جهة أخرى.

فقد اعتاد حزب العدالة والتنمية، خلال العشرية الأخيرة، بناء تحالفات ظرفية ومرحلية لا تستند دائما إلى وضوح المرجعيات أو الانسجام في الاختيارات السياسية، حتى تحولت البراغماتية المفرطة، في كثير من المحطات، إلى ممارسة سياسية مألوفة وثقافة تنظيمية يصعب فصلها عن حسابات الموقع الحكومي والتكتيك الحزبي، وأحيانا عن توجهات عبد الإله بنكيران ومواقفه وخطابه. ولعل طبيعة العلاقة التي ربطت الحزب بالتجمع الوطني للأحرار، وما عرفته من تحولات وتناقضات، تقدم مثالا دالا على هذا النمط من التدبير السياسي للتحالفات والخصومات.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم جانب من حدة الانتقادات الموجهة إلى تحالف اليسار، باعتبارها تعبيرا عن اختلاف في تصور وظيفة التحالفات السياسية وحدودها. فحين يصبح التنسيق الانتخابي أو البرلماني، في نظر بعض الفاعلين، مدخلا إلى اصطفاف سياسي أوسع، قد يبدو رفض هذا المنطق نوعا من التعطيل أو التشدد، بينما يتعلق الأمر، من منظور آخر، بحق كل مكون سياسي في الحفاظ على استقلاليته الفكرية والتنظيمية، وتحديد شروط التقارب مع بقية الفرقاء.

وتتجلى أهمية هذا التمايز بوضوح أكبر في القضايا الوطنية والسيادية. ففي ملف زيارة العاهل الإسباني إلى مدينة سبتة المحتلة، يشير تحالف اليسار إلى مبادرته بإصدار موقف سياسي صريح مستنكر للزيارة، في مقابل ما يعتبره غيابا لموقف مماثل من حزب العدالة والتنمية. وإذا تأكد هذا التباين من خلال المواقف والبلاغات الرسمية، فإنه يطرح سؤالا سياسيا مشروعا حول اختلاف أولويات التعبير والمبادرة بين مكونات المعارضة، وحول مدى استعداد كل طرف لتحمل مسؤولية موقف واضح في القضايا التي يعتبرها جزءا من ثوابته الوطنية.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد مقارنة بين تصريح وآخر، بل بطبيعة العلاقة بين المرجعية السياسية والممارسة العملية. فالمواقف الوطنية لا ينبغي أن تظل رهينة الإشارات الصادرة عن القيادة أو حسابات اللحظة، بل يفترض أن تستند إلى تصورات واضحة، وأن تكون قابلة للتعبير عنها مؤسساتيا، بما يعزز استقلالية القرار الحزبي ومسؤولية أعضائه ومنتخبيه.

ويكشف جانب آخر من هذا الجدل عن خيبة أمل مرتبطة بتصور حزب العدالة والتنمية لموقعه داخل المعارضة البرلمانية. فمن حق الحزب أن يطمح إلى لعب دور قيادي في المعارضة، وأن يسعى إلى توسيع حضوره وتأثيره داخل المؤسسة التشريعية، لكن هذا الطموح لا يمنحه حقا تلقائيا في قيادة بقية مكونات المعارضة أو توجيه اختياراتها. فتحالف اليسار، بدوره، من حقه أن يرفض الذوبان في معارضة تقودها أو تهيمن عليها أجندة العدالة والتنمية، وأن يختار لنفسه موقعا مستقلا ينسجم مع مرجعيته ومواقفه السياسية.

وهنا ينبغي استحضار بديهية تنظيمية كثيرا ما يغيبها الجدل السياسي: الانسجام البرنامجي شرط أساسي في التحالف الحكومي، لأن مكوناته مطالبة بالعمل وفق برنامج مشترك وتحمل مسؤولية تنفيذه. أما المعارضة، فلا يلزمها أن تتحول إلى كتلة متجانسة في جميع المواقف والاختيارات، ولا أن تتطابق مكوناتها في التصويت والمبادرة والتقدير السياسي. فالاختلاف داخل المعارضة أمر طبيعي في الأنظمة الديمقراطية، بل قد يكون تعبيرا عن حيوية التعددية السياسية والفكرية، ما دام مؤطرا بقواعد العمل البرلماني واحترام المؤسسات.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم رفض تحالف اليسار التنسيق الآلي أو التصويت التلقائي لصالح مرشحي العدالة والتنمية لرئاسة مجلس النواب أو عضوية هياكله. فهذا الموقف، إذا استند إلى قرار سياسي واضح ومعلن، لا ينبغي اختزاله في صدام شخصي أو خصومة عابرة، بل يمكن قراءته باعتباره تعبيرا عن استقلالية الاختيار، ورفضا لمنطق المجاملة السياسية الذي قد يمحو الفوارق بين المشاريع الحزبية، ويربك الناخب بشأن حقيقة التمايز بين البرامج والمرجعيات.

كما أن هذا الاستقلال يتيح لليسار مراجعة التجارب الحكومية السابقة وتحديد موقعه منها، بما في ذلك الاختلاف مع اختيارات وسياسات لا تنسجم مع توجهاته الأساسية. فالعمل البرلماني لا يقوم فقط على حسابات الأغلبية العددية، بل أيضا على وضوح المواقف، ومساءلة السياسات العمومية، وربط الممارسة السياسية بالمسؤولية الفكرية والأخلاقية.

غير أن ترسيم الحدود بين المشاريع السياسية لا يعني الانغلاق أو الدعوة إلى القطيعة الشاملة. فالاختلاف الأيديولوجي لا يمنع التقاطعات الموضوعية، ولا يحول دون بناء توافقات محددة حول قضايا مشتركة. ويمكن لليسار وإسلاميي البرلمان أن يلتقوا، بحسب طبيعة الملفات، في مواجهة الفساد، وتخليق الحياة العامة، والدفاع عن الحريات، وتعزيز الديمقراطية والمشاركة السياسية، وترسيخ استقلالية المؤسسات. لكن مثل هذه التقاطعات ينبغي أن تظل واضحة الأهداف ومحددة المجالات، وألا تتحول إلى تحالف مقنع يخفي التباينات الجوهرية بين المشاريع السياسية.

وفي هذا السياق، يصبح تحالف اليسار مطالبا بتحمل مسؤوليته داخل المؤسسة التشريعية، لا بالاكتفاء بإعلان الاختلاف مع العدالة والتنمية، بل بتقديم بديل سياسي وبرلماني ملموس، قادر على إقناع الرأي العام بجدوى استقلاليته. فالمبدئية لا تُقاس فقط برفض التنسيق مع الآخر، وإنما أيضا بالقدرة على صياغة المبادرات التشريعية، وممارسة الرقابة على الحكومة، وتقديم مقترحات عملية، والدفاع عن القضايا الاجتماعية والديمقراطية، والابتعاد عن منطق النجومية الشخصية والخطاب السهل الذي يختزل العمل السياسي في الحضور الإعلامي.

ولعل استعادة الذاكرة البرلمانية المغربية تتيح الاستلهام من تجارب نضالية تستحق الدراسة والتأمل. من بينها تجربة المعارضة الاتحادية خلال الثمانينيات، وما ارتبط بها من مواقف عبد الرحيم بوعبيد، وتجربة الراحل محمد بنسعيد آيت يدر، الذي ارتبط اسمه بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وإثارة ملفات الاعتقال السياسي، ومنها ملف تازمامارت، ثم تجربة عمر بلافريج بما ميزها من وضوح في المواقف واهتمام بالقضايا الاجتماعية والديمقراطية. ولا تكمن قيمة هذه التجارب في استنساخها، بل في استحضار ما يمكن أن تقدمه من دروس في استقلالية القرار، وشجاعة المساءلة، والربط بين الموقف السياسي والمسؤولية النيابية.

إن المشهد السياسي المغربي في حاجة إلى إعادة الاعتبار للتمايز الفكري والوضوح البرنامجي، وإلى بناء عائلات سياسية قادرة على تقديم تصورات متماسكة للمجتمع والدولة والاقتصاد والحريات. فالتعددية لا تعني مجرد تعدد الأحزاب والفرق البرلمانية، بل تفترض وجود اختلاف حقيقي في البرامج والمواقف، يسمح للناخب بالتمييز بين المشاريع، ويمنح العمل السياسي معنى يتجاوز الحسابات الظرفية.

وفي المحصلة، ليست المسألة في أن يتفق اليسار مع العدالة والتنمية أو يختلف معه على نحو دائم، بل في أن يحدد كل طرف شروط التقارب وحدود الاختلاف، وأن يتحمل مسؤولية اختياراته أمام المواطنين. فالتوافق حول القضايا المشتركة ممكن، والتنسيق في الملفات المحددة مشروع، لكن تحويل المعارضة إلى اصطفاف آلي أو إلى مجال للتنافس على الزعامة لا يخدم التعددية ولا يعزز الثقة في المؤسسات.

المطلوب اليوم هو تجربة برلمانية تتسم بالوضوح والشجاعة والمبدئية، وتستحضر الذاكرة النضالية دون الارتهان إلى الماضي، وتستثمر الاختلاف في بناء البدائل، وتعيد للعمل النيابي عمقه وهيبته. تجربة تجعل من السياسة مجالا للتنافس بين الأفكار والبرامج، لا ساحة للمزايدات الشخصية أو البراغماتية غير المنضبطة أو النجومية الفارغة، بعيدا عن منطق: «أنا بوحدي مضوي البلاد».

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.