
أسامة باريك… صوتٌ شابّ يقتحم قبة البرلمان من خارج نادي النفوذ
بقلم مولاي مصطفى النقراوي
في غابة من المعمّرين و«الفراقشية» السياسية، تبرز وجوه جديدة لتكسر رتابة المشهد وتعيد سؤال التمثيلية الحقيقية للمناطق المهمشة إلى واجهة النقاش الوطني.
اللهم بارك في الشباب حين يتحول الطموح إلى فعل، والإمكانات المحدودة إلى قوة اقتحام، والصوت المحلي إلى قضية وطنية.
في مشهد سياسي اعتاد طويلاً تدوير الوجوه نفسها، وإعادة إنتاج مراكز النفوذ ذاتها، يبرز الشاب أسامة باريك، الذي انتزع مقعداً برلمانياً في تشريعيات 2026، ليخطف الأضواء داخل قبة البرلمان، لا بفضل انتمائه إلى دوائر المال والنفوذ، ولا عبر مصاعد سياسية جاهزة، بل من صناعة المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي إلى مجلس النواب المغربي ورصيد من المبادرة والإمكانات الذاتية والإرادة في اقتحام مجال ظل حكراً على أسماء تقليدية.
إن أهمية هذه التجربة لا تكمن فقط في وصول شاب إلى المؤسسة التشريعية، بل في ما تحمله من رسالة سياسية إلى جيل سئم احتكار المشهد، وإلى مناطق طال انتظارها لتمثيلية تتجاوز الشعارات الموسمية. ففي زمن تتراجع فيه ثقة المواطنين في الخطاب السياسي، يصبح بروز وجوه جديدة اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات على تجديد نخبها واستعادة صلتها بالمجتمع.
لقد أرهقت الولاية التشريعية السابقة أسماع المغاربة بخطابات كثيرة رُفعت باسم الدفاع عن المصالح العامة، بينما ظل السؤال الجوهري قائماً: إلى أي حد نجح ممثلو الأمة في مواجهة تغوّل المصالح الاقتصادية الكبرى، والدفاع عن الفئات التي لا تملك المال ولا شبكات النفوذ ولا القدرة على الوصول إلى مراكز القرار؟ اليوم، يعيد بروز أسامة باريك طرح هذا السؤال من زاوية أخرى: هل تستطيع الكفاءة والمبادرة والإرادة السياسية أن تفتح ثغرة في جدار منظومة اعتادت أن تمنح الأفضلية للأكثر نفوذاً، لا بالضرورة للأكثر التصاقاً بقضايا المواطنين؟
لكن الرهان الحقيقي لا يُحسم بالوصول إلى البرلمان، ولا بعدد المداخلات التي تحصد التفاعل، ولا بالأضواء التي تسلطها وسائل الإعلام. الامتحان يبدأ حين يتحول المقعد البرلماني إلى أداة للمساءلة والتشريع والاقتراح، وحين يصبح صوت النائب امتداداً فعلياً لأنين القرى والجبال والمناطق التي ظلت خارج أولويات السياسات العمومية.
إن المغرب الذي يحتاجه المواطنون ليس مغرباً بسرعتين: سرعة فائقة في المحاور الحضرية الكبرى، حيث تتركز الاستثمارات والخدمات وفرص الشغل، وسرعة بطيئة في الجبال والقرى والمجالات النائية، حيث ما تزال معارك الماء والطرق والصحة والتعليم وفرص العيش الكريم جزءاً من الحياة اليومية.
بين محور الدار البيضاء–الرباط، بما يمثله من ثقل اقتصادي ومؤسساتي، وبين الجبال المنسية التي تنتظر نصيبها العادل من التنمية، تتجسد واحدة من أبرز مفارقات النموذج التنموي: بلد واحد، لكن بإيقاعات متفاوتة في الوصول إلى الحقوق والفرص والخدمات الأساسية.
ومن هنا، فإن الرهان على أسامة باريك يتجاوز شخصه إلى إمكان ولادة خطاب برلماني جديد؛ خطاب ينصت إلى المغرب العميق، ويضع العدالة المجالية في صلب النقاش، ويواجه اختلالات توزيع الثروة والاستثمار، ويمنح المناطق المهمشة موقعاً مستحقاً في جدول الأعمال الوطني. لا يحتاج المغرب إلى شباب يملؤون المقاعد فحسب، بل إلى نواب يملؤون الفراغ بين المؤسسات والمواطنين، ويحوّلون الملفات المنسية إلى قضايا وطنية، والمطالب المحلية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والمحاسبة.
أسامة باريك، اللهم بارك… قد يكون بروزك بداية مسار واعد، لكن التاريخ السياسي لا يحتفظ طويلاً بمن يسرق الأضواء؛ بل بمن يحوّلها إلى ضوء يكشف الاختلالات، ويفتح الطريق أمام من ظلوا في الظل. فهل تكون قبة البرلمان، هذه المرة، منصةً لصوت الجبال والمناطق المهمشة، لا مجرد مسرح جديد لإعادة إنتاج النخب نفسها؟ ذلك هو السؤال. وتلك هي المسؤولية.