
بقلم الحسين بوالزيت ،صحافي وباحث في التاريخ.
هناك لحظات لا تأتي أهميتها من قرار واحد، ولا من حدث منفرد، وإنما من تزامن أشياء مختلفة وهي تقترب في الوقت نفسه من نقطة تحول. والمغرب يبدو اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات؛ حكومة تتشكل ملامحها، وقرار لمحكمة الطاس ينتظر الإعلان عنه، ومسار أممي يتعلق بقضية الصحراء يقترب بدوره من مرحلة جديدة. لكل ملف منطقه الخاص، ولكل واحد منها مؤسساته وحساباته، لكن ما يجمع بينها أن زمن الانتظار بدأ يفسح مكانه شيئاً فشيئاً لزمن آخر: زمن ما ينبغي فعله بعد أن تتضح القرارات.
وهذه، في تقديري، هي النقطة التي تستحق التوقف عندها.
فالحكومة المقبلة لن تتعامل مع ملفات مغرب يشبه ذلك الذي دخلت إليه الحكومات السابقة. ستجد أمامها مجتمعاً أكثر حساسية تجاه كلفة المعيشة والخدمات العمومية وفرص الشغل، واقتصاداً يمر بتحولات عميقة، ومؤسسات مطالبة بأن تكون أكثر قدرة على الاستجابة، فضلاً عن سياق إقليمي ودولي يجعل الخيارات الداخلية مرتبطة، بدرجات مختلفة، بما يحدث خارج الحدود.
لهذا لن يكون الامتحان الحقيقي في شكل الحكومة ولا في عدد الوجوه الجديدة داخلها، بل في قدرتها على التعامل مع تراكم انتظارات لم يعد ممكناً تأجيلها إلى ما لا نهاية. المواطن لا يعيش السياسة في البيانات، ولا يتابعها فقط من خلال النقاشات داخل البرلمان؛ وفي المنتديات الاجتماعية والإعلامية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، يقيسها بما يصل إلى جيبه، وبما يجده في المدرسة والمستشفى والإدارة، وبما إذا كان يشعر أن الحكومة تتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها حاجاته.
وفي ملف محكمة الطاس، تبدو الصورة مختلفة، لأن الأمر يتعلق بقرار قضائي ينبغي أن يُترك للمؤسسة التي تملكه، بعيداً عن كل ما يسبق الحكم من تأويلات وتوقعات. لكن أهمية القرار، أياً كانت تفاصيله، لن تتوقف عند لحظة صدوره. فكل حكم ينهي جزءاً من الانتظار، لكنه يفتح في المقابل أسئلة أخرى حول ما يترتب عنه، وكيف ستتعامل معه الأطراف المعنية، وما إذا كان سيضع حداً لحالة من عدم اليقين أم سيؤسس لمسار جديد يحتاج بدوره إلى تدبير هادئ.
وفي قضية الصحراء، تبدو المسألة أوسع من قرار جديد يضاف إلى سجل القرارات والمواقف. فالمغرب راكم خلال السنوات الماضية تحولات دبلوماسية وسياسية مهمة، وتغيرت طبيعة النقاش حول الملف في عدد من العواصم والمنتديات الدولية. لكن الوصول إلى هذه المرحلة لا يعني أن المهمة انتهت؛ بل يعني أن السؤال أصبح أكثر التصاقاً بالواقع: كيف تتحول المكاسب السياسية والدبلوماسية إلى نتائج مستقرة على الأرض؟
هذا السؤال هو الذي سيصبح أكثر إلحاحاً في المرحلة المقبلة.
فالاعترافات والمواقف الدولية لها وزنها، والقرارات الأممية لها أهميتها، لكنها لا تعيش وحدها. قيمتها النهائية تظهر عندما تجد طريقها إلى سياسات ومشاريع ومؤسسات وتنمية، وعندما يصبح أثرها قابلاً للقياس في حياة الناس، وفي موقع الأقاليم الجنوبية داخل الاقتصاد الوطني، وفي علاقتها بمحيطها الإقليمي والدولي.
وهنا يتغير معنى القضية نفسها. ففي مرحلة سابقة كان الجهد الأكبر منصباً على الدفاع عن الموقف، وإقناع الخارج، وتوسيع دائرة الدعم، ومواجهة الروايات المضادة. أما عندما يصبح المسار أكثر وضوحاً، فإن طبيعة المسؤولية تتغير. لا يكفي أن تقول للعالم إن لديك تصوراً لمستقبل المنطقة؛ يصبح عليك أن تقدم نموذجاً قادراً على الصمود، وأن تجعل التنمية والمؤسسات والاستثمار والاندماج الاجتماعي جزءاً من الحجة نفسها.
هذه ليست مسألة تقنية، بل هي جوهر المرحلة المقبلة.
فالدول لا تثبت نتائجها بالخطابات وحدها. ما يبقى في النهاية هو ما يتحول إلى واقع، وما يصبح جزءاً من حياة الناس ومصالحهم اليومية، وما تستطيع المؤسسات أن تحميه وتطوره على المدى الطويل.
ومن هنا يمكن فهم التزامن الذي يطبع هذه الأيام. الحكومة أمام استحقاق داخلي، والطاس أمام قرار قضائي، وملف الصحراء أمام تطورات سياسية ودبلوماسية تتجه نحو مرحلة مختلفة. لا ينبغي وضع هذه الملفات في سلة واحدة، لأنها ليست كذلك، لكن من الممكن النظر إليها من زاوية واحدة: ماذا يحدث عندما ينتهي زمن الترقب وتبدأ مسؤولية التعامل مع النتائج؟
هذا هو السؤال الذي يهمني أكثر من كل ما سبقه. لأننا نميل أحياناً إلى التعامل مع القرارات باعتبارها نهايات. ننتظر القرار، ثم نحتفل به أو نختلف حوله، ثم ننتقل إلى خبر آخر. بينما بعض القرارات لا تنهي شيئاً؛ إنها فقط تنقل المسؤولية إلى مستوى آخر. بعد القرار تبدأ التفاصيل، وفي التفاصيل تحديداً تختبر المؤسسات قدرتها على تحويل ما صدر على الورق إلى شيء له أثر خارج الورق.
وإذا كان هناك درس يمكن استخلاصه من المرحلة الماضية، فهو أن تراكم القرارات والمواقف لا يكفي وحده لصناعة واقع جديد. الواقع يحتاج إلى وقت، وإلى مؤسسات، وإلى استثمارات، وإلى إدارة تعرف كيف تتحرك بعيداً عن الضجيج، وإلى قدرة على الاستمرار حتى عندما تتراجع الأضواء. لهذا، فإن الحكومة المقبلة ستواجه سؤالاً يتجاوز تركيبتها السياسية: هل تستطيع أن تكون في مستوى مرحلة تتطلب تنفيذ ما تراكم، وليس فقط الإعلان عن برامج جديدة؟
والسؤال نفسه يطرح، بصورة مختلفة، في ملف الصحراء: هل نستطيع أن نحول الرصيد الذي تحقق في الخارج إلى واقع أقوى في الداخل؟
وفي قضية الطاس: هل سيكون ما بعد القرار أكثر وضوحاً من مرحلة ما قبله؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات انفعالية، ولا إلى استعجال النتائج. تحتاج إلى قراءة هادئة لما يجري، لأن بعض التحولات الكبيرة لا تظهر دفعة واحدة. أحياناً يبدأ التغيير بقرار، ثم يحتاج سنوات حتى يصبح جزءاً من الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
لذلك، ربما يكون الأصح أن ننظر إلى هذه الأيام لا باعتبارها نهاية لثلاثة ملفات، وإنما باعتبارها بداية لاختبارات مختلفة. الحكومة ستُختبر بما ستفعله، لا بما ستعلنه. والقرار القضائي سيُختبر بما سيترتب عنه، لا بالضجة التي تسبقه. والمسار المتعلق بالصحراء سيُختبر بقدرته على الانتقال من مستوى الموقف السياسي إلى مستوى الواقع المستقر. وفي النهاية، لا أحد يعيش داخل القرارات. الناس يعيشون داخل نتائجها. وهنا بالضبط يبدأ امتحان الواقع.
فالمرحلة المقبلة لن تكون بحاجة إلى كثير من الكلام عن الانتصارات بقدر حاجتها إلى عمل يجعل نتائجها واضحة من دون الحاجة إلى شرح طويل. وحين يصل بلد إلى هذه النقطة، تصبح المسؤولية أكبر، لأن الدفاع عن الموقف يصبح أسهل من إدارة نتائجه، والاحتفال بالقرار أسهل بكثير من بناء اليوم الذي يليه.
ربما لهذا تبدو اللحظة الحالية مهمة. ليس لأنها تحمل خبراً واحداً ينتظره الجميع، وإنما لأنها تضع أكثر من مؤسسة وأكثر من مسار أمام سؤال واحد، وإن اختلفت صياغته من ملف إلى آخر:
ماذا سنفعل بعد أن تتضح الصورة؟