
قد تبدو الانتخابات، في منطق الأرقام، منتهية بمجرد إعلان النتائج وتوزيع المقاعد. لكن انتخابات 23 شتنبر 2026 تقول شيئاً آخر بالنسبة إلى تحالف اليسار.
فثمانية مقاعد هي حصيلته الانتخابية، لكنها ليست كل ما ربحه. فالمكسب الأعمق يتمثل في المساحات الجديدة التي استطاع أن ينتزعها داخل الوعي السياسي والمجتمعي المغربي.
لقد شكلت الحملة فرصة للخروج من الدائرة التقليدية للمناضلين والمتعاطفين والنخب، إلى الإنفتاح والتواصل مع شرائح أوسع من المواطنات والمواطنين، في الأحياء الشعبية والقرى والأسواق والجامعات، وعبر الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.
ولم يكن هذا التواصل مجرد حملة لاستمالة الأصوات، بل محاولة لتقديم ممارسة سياسية مختلفة: الكلمة بدل المال، الحجة بدل الإغراء، المشروع بدل الوعود، والموقف السياسي بدل الزبونية.
ففي سياق انتخابي ارتبط، في حالات كثيرة، باستغلال الحاجة والهشاشة وتقديم الخدمات مقابل الولاء، اختار تحالف اليسار أن يخاطب المواطن باعتباره مواطناً يمتلك حق الاختيار. وساعد البرنامج الانتخابي، بما تضمنه من إجراءًات، على الانتقال من الشعارات إلى مقترحات وتصورات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وهنا تكمن أهمية التجربة.
لقد تعرف مواطنون جدد على التحالف ومشروعه ووجوهه، وأعيد تقديم اليسار باعتباره قوة سياسية قادرة على تقديم بدائل، لا مجرد ذاكرة سياسية أو مجموعة من المناضلين التاريخيين.
والأهم أن الإقبال على المنصتين الإلكترونيتين للحزبين المكونين للتحالف، والرغبة المعلنة لدى مواطنين في الانخراط بعد الانتخابات، يشكلان مؤشراً يستحق التوقف عنده: فالتعاطف الذي يتحول إلى رغبة في التنظيم يعني أن شيئاً أعمق من مجرد التصويت بدأ يتشكل.
كما كشفت الحملة أن الشباب ليس بالضرورة بعيداً عن السياسة، بقدر ما هو بعيد عن سياسة لا يثق بها ولا يجد نفسه فيها. وحين يجد خطاباً يتحدث عن الكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويشعر بوجود اختلاف بينه وبين الممارسات التقليدية، فإنه يبدأ في التفاعل والمشاركة والبحث عن موقع له داخل الفعل السياسي.
لكن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية لتحالف اليسار.
فالانتخابات انتهت، لكن المهمة بدأت.
لن يتحول التعاطف تلقائياً إلى تنظيم، ولن يتحول الإعجاب بالمشروع إلى قوة سياسية دائمة. لذلك يحتاج التحالف إلى الانتقال من الوعي إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى التأطير، ومن التأطير إلى الفعل المجتمعي.
وهذا يعني تقوية التنظيمات المحلية، وفتح المقرات أمام الشباب والنساء والكفاءات، وتحويلها من هياكل تظهر خلال الانتخابات إلى تنظيمات حية وقريبة من المواطنين، حاضرة في قضاياهم اليومية: التعليم، والصحة، والشغل، والسكن، والنقل، والبيئة، والحريات والعدالة الاجتماعية.
فالقوة السياسية لا تُبنى يوم الاقتراع، بل بين الانتخابات والانتخابات.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد 23 شتنبر ليس فقط: كم مقعداً حصل عليه تحالف اليسار؟
بل: كم مواطناً اقترب من مشروعه؟ كم شاباً قرر الانخراط؟ كم امرأة وجدت فيه فضاءً للمشاركة؟ وكم مساحة جديدة استطاع اليسار أن ينتزعها داخل المجتمع؟
لقد فتحت انتخابات 23 شتنبر الباب أمام فرصة سياسية نادرة. والتحدي الآن هو ألا يُغلق هذا الباب، بل أن يتحول ما تحقق انتخابياً إلى حضور مجتمعي وتنظيم سياسي قادر على إنتاج تغيير ديمقراطي حقيقي.
بقلم عبد الرزاق درهيم