Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

من طين تيزنيت إلى باريس.. سليمة ناجي ترفع العمارة الأمازيغية إلى منصة التتويج الدولي

الجائزة الكبرى للتصميم 2026 تكرّس المكانة الدولية لمعمارية وأنثروبولوجية مغربية جعلت من التراث الأمازيغي مدرسة للعمارة المعاصرة

باريس – تيزنيت | ثقافة وتراث

في لحظة تحمل أكثر من دلالة للعمارة المغربية وللتراث الثقافي الأمازيغي، توج معهد العالم العربي بباريس الدكتورة سليمة ناجي بالجائزة الكبرى للتصميم لسنة 2026، عن مشروعها «مركز تفسير التراث بتيزنيت» (Tiznit Living Heritage Centre)، في اعتراف دولي بتجربة معمارية وفكرية جعلت من حماية الذاكرة العمرانية جسراً بين الماضي والمستقبل.

ولا تكمن أهمية هذا التتويج في قيمة المشروع الفائز وحده، بل في كونه يسلط الضوء على مسار استثنائي لمعمارية وباحثة في الأنثروبولوجيا كرست جانباً أساسياً من عملها العلمي والمهني لدراسة العمارة الأمازيغية والتراث العمراني لجنوب المغرب والواحات والقصبات، والدفاع عن ضرورة الحفاظ عليه وإعادة تأهيله باعتباره جزءاً أصيلاً من الذاكرة المغربية والإنسانية.

إنها، بهذا المعنى، جائزة لمشروع في تيزنيت، لكنها أيضاً اعتراف بمسار مغربي استطاع أن ينقل قضايا التراث المحلي إلى فضاء النقاش المعماري والثقافي الدولي.

عندما يصبح التراث الأمازيغي لغة عالمية

داخل الأسوار التاريخية لمدينة تيزنيت، جاء المشروع ليقدم نموذجاً لعمارة تنطلق من المكان ولا تتخلى عن روح العصر.

فقد شُيد مركز تفسير التراث بالكامل تقريباً من الطين المدكوك، مستلهماً تقاليد البناء المحلية، ومندمجاً مع النسيج التاريخي للمدينة. ولا يمثل الطين هنا مجرد مادة بناء تقليدية، بل يتحول إلى لغة معمارية تستعيد الذاكرة المحلية وتعيد تقديمها ضمن تصور معاصر.

ويضم المركز فضاءات متحفية ومجموعات إثنوغرافية وعناصر أنجزها حرفيون محليون في عين المكان، بما يجعل الحرفة والمعرفة التقليدية جزءاً من بنية المشروع، لا مجرد عناصر للعرض.

وهذه المقاربة هي إحدى السمات الأساسية في تجربة سليمة ناجي: إعادة اكتشاف القيمة المعمارية والعلمية للمعارف المحلية بدل اختزال التراث في صورة فولكلورية أو متحفية جامدة.

سليمة ناجي.. العمارة بوصفها أنثروبولوجيا للمكان

تتميز تجربة الدكتورة سليمة ناجي بكونها تتحرك في منطقة نادرة التقاطع بين الهندسة المعمارية والأنثروبولوجيا وحماية التراث.

فالمبنى، في تصورها، ليس كياناً منفصلاً عن المجتمع الذي أنشأه، ولا يمكن فهم القصبة أو القصر أو القرية التاريخية بعيداً عن أنماط العيش والعلاقات الاجتماعية والموارد الطبيعية والمعارف الحرفية التي ساهمت في تشكيلها.

ومن هنا، فإن اشتغالها على العمارة التقليدية في جنوب المغرب والواحات لا يقوم على ترميم الجدران فقط، وإنما على محاولة فهم منطق المكان وذاكرته والإنسان الذي صنعه وعاش فيه.

وقد منحتها هذه الرؤية موقعاً خاصاً في المشهد المعماري والثقافي، باعتبارها من الأصوات التي دافعت عن قراءة التراث المغربي، ولا سيما التراث الأمازيغي والواحي، باعتباره منظومة معرفية متكاملة يمكن أن تقدم حلولاً معاصرة في مجالات البناء والاستدامة والتكيف مع المناخ والموارد المحلية.

من القصبة إلى العمارة المعاصرة

في أعمالها، يحضر الطين والحجر والمواد المحلية باعتبارها أكثر من عناصر تقليدية؛ إنها ذاكرة تقنية وبيئية وثقافية.

فالعمارة الطينية التي انتشرت في مناطق الجنوب والواحات لم تكن اختياراً جمالياً فحسب، وإنما كانت نتيجة معرفة دقيقة بالمناخ والبيئة والموارد المتاحة، وبقدرة المجتمعات المحلية على تطوير تقنيات بناء متكيفة مع ظروفها.

وتأتي مشاريع سليمة ناجي لتعيد طرح السؤال: ماذا يمكن للعمارة المعاصرة أن تتعلم من هذه التجربة؟

والجواب الذي تقدمه ممارستها واضح: إن المستقبل لا يعني بالضرورة القطيعة مع التراث، بل يمكن أن يكون التراث نفسه أحد مصادر الابتكار.

تيزنيت.. من الذاكرة المحلية إلى الاعتراف الدولي

يحمل اختيار مشروع تيزنيت للتتويج دلالة خاصة بالنسبة إلى المدينة ومحيطها الثقافي.

فتيزنيت ليست مجرد موقع جغرافي للمشروع، وإنما فضاء تاريخي غني بالذاكرة والمعمار والحرف والثقافة الأمازيغية. ومن خلال مركز تفسير التراث، تتحول هذه العناصر من مكونات متفرقة إلى خطاب ثقافي ومعماري متكامل.

والأهم أن المشروع لا يقدم الماضي باعتباره زمناً منتهياً، بل يطرح مفهوم «التراث الحي»؛ أي التراث الذي يستمر في التأثير في الحاضر، ويشارك المجتمع المحلي في إنتاجه وتفسيره ونقله إلى الأجيال المقبلة.

وهنا تحديداً تكمن القيمة الرمزية للتتويج: أن تصل تجربة تنطلق من الطين المحلي، ومن الحرفة المحلية، ومن ذاكرة مدينة جنوبية مغربية، إلى منصة دولية تحتفي بالتصميم والابتكار.

جائزة تتجاوز حدود العمارة

ومنذ إطلاق جائزة التصميم لمعهد العالم العربي سنة 2023، أصبحت مناسبة للاحتفاء بالمواهب والتجارب التي تكشف عن التفاعل بين التصميم والتراث والابتكار والمعارف في العالم العربي.

ويأتي تتويج مشروع تيزنيت ليؤكد أن التجارب المعمارية المرتبطة بالتراث ليست بالضرورة تجارب ماضوية، وإنما يمكن أن تكون في صميم النقاشات العالمية حول الاستدامة والهوية والموارد المحلية والحفاظ على الذاكرة الثقافية.

ومن هذه الزاوية، تكتسب الجائزة بعداً يتجاوز حدود المشروع نفسه، لتصبح مناسبة لإعادة اكتشاف ثراء التراث المعماري المغربي، وخاصة ذلك الذي ظل لعقود طويلة خارج دائرة الضوء الدولي.

امرأة مغربية جعلت من حماية الذاكرة مشروعاً

يمثل مسار سليمة ناجي نموذجاً لامرأة مغربية اختارت أن تجعل من المعرفة والميدان والعمارة والتراث أدوات للدفاع عن ذاكرة المكان.

وقد ساعد الجمع بين الأنثروبولوجيا والهندسة المعمارية على بناء رؤية تتعامل مع التراث بوصفه كياناً حياً، له صلة بالإنسان والمجتمع والبيئة والاقتصاد والحرفة، وليس مجرد مبانٍ تاريخية ينبغي الحفاظ على شكلها الخارجي.

وفي هذا السياق، تأتي الجائزة الكبرى للتصميم لمعهد العالم العربي كإضافة نوعية إلى مسارها، وكإشارة إلى أن قضية التراث الأمازيغي والواحي في المغرب يمكن أن تتحول إلى قضية ذات صدى عالمي عندما تقدم من خلال مشروع معماري يجمع الأصالة بالابتكار.

من تيزنيت إلى العالم

تضع هذه الجائزة تيزنيت، مرة أخرى، في دائرة الاهتمام الثقافي والمعماري الدولي، لكنها تضع أيضاً تجربة سليمة ناجي في موقع أكثر بروزاً باعتبارها تجربة مغربية تنطلق من الجنوب والواحات والقصبات لتخاطب العالم بلغة العمارة المعاصرة.

ففي زمن تتزايد فيه الدعوات إلى حماية التنوع الثقافي والبحث عن نماذج بناء أكثر انسجاماً مع البيئة، تقدم العمارة الأمازيغية والواحية، من خلال أعمال ناجي، درساً في إمكانية الجمع بين المعرفة التقليدية والاستدامة والهوية والابتكار.

ولعل أقوى ما تقوله هذه التجربة هو أن التراث ليس عبئاً ينبغي التخلص منه، ولا ماضياً ينبغي تجميده، بل رأسمال ثقافي ومعرفي يمكن أن نبني به المستقبل.

وهكذا، فإن تتويج الدكتورة سليمة ناجي في باريس لا يكرم مبنى في تيزنيت فحسب؛ إنه يكرم أيضاً ذاكرة الجنوب المغربي، وذكاء العمارة الأمازيغية، والمعارف التي راكمتها الواحات والقصبات، ودور المهندس والباحث في تحويل هذا التراث من مادة للحفظ إلى مصدر للإبداع العالمي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.