
من الإنجاز إلى المراجعة: لماذا تراجع حزب التقدم والاشتراكية في بعض جماعات إقليم تيزنيت؟”
تشكل المحطات التنظيمية للأحزاب السياسية فرصة حقيقية للتقييم والمراجعة، وليس فقط لتجديد الهياكل وانتخاب القيادات. فنجاح أي تنظيم سياسي لا يقاس بقدرته على الفوز في الانتخابات فقط، بل بقدرته على ممارسة النقد الذاتي، واستخلاص الدروس، وتجديد مشروعه السياسي والتنظيمي.
وفي هذا السياق، يفرض المؤتمر الإقليمي لحزب التقدم والاشتراكية بتيزنيت طرح سؤال جوهري: لماذا تراجعت مكانة الحزب في عدد من الجماعات الترابية بالإقليم بعد سنوات من الحضور القوي في التدبير المحلي؟
لا يمكن إنكار أن الحزب راكم تجربة مهمة في تدبير الشأن المحلي، وأسهم عبر منتخبيه وأطره في إنجاز مشاريع تنموية تركت بصمتها في عدد من الجماعات. كما استطاع أن يقدم نموذجا في العمل المؤسساتي، وأن يكوّن نخبة سياسية مشهودا لها بالكفاءة والالتزام. وهذه مكاسب لا ينبغي القفز عليها أو التقليل من قيمتها.
غير أن السياسة لا تعترف بالأمجاد الماضية فقط، بل تحكم عليها بمدى قدرتها على التجدد والاستجابة لتحولات المجتمع. وهنا تبرز الحاجة إلى قراءة نقدية صريحة ومسؤولة.
أول أسباب التراجع يتمثل في الإرهاق الطبيعي لتجربة التدبير. فالاستمرار في المسؤولية لسنوات طويلة قد يؤدي إلى استنزاف الرصيد السياسي، حتى وإن كانت الحصيلة إيجابية، لأن جزءا من الناخبين يميل إلى التغيير ويبحث عن وجوه وأفكار جديدة.
كما أن التواصل السياسي لم يواكب التحولات التي عرفها المجتمع. فالمواطن اليوم لا يكتفي بإنجاز المشاريع، بل يريد أن يكون شريكا في المعلومة، وأن يتابع حصيلة المنتخبين بشكل مستمر. ومع هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح ضعف التواصل ينعكس مباشرة على الصورة السياسية للحزب.
ولا يمكن إغفال أثر بعض الخلافات التنظيمية التي عرفتها الساحة المحلية، والتي أضعفت أحيانا وحدة الصف، وأثرت على التعبئة الانتخابية، في وقت كانت فيه الأحزاب المنافسة تعزز حضورها الميداني وتطور أساليب اشتغالها.
ومن بين الإشكالات أيضا محدودية تجديد النخب. فالعمل الحزبي يحتاج باستمرار إلى ضخ دماء جديدة، وإفساح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات المحلية، بما يضمن استمرارية المشروع السياسي ويمنحه نفسا جديدا.
كما أن ارتفاع انتظارات المواطنين جعل المنتخب المحلي مطالبا بتحقيق نتائج في مجالات تتجاوز في كثير من الأحيان اختصاصاته وإمكاناته المالية، وهو ما انعكس على تقييم الناخبين لأداء المجالس المحلية.
إن المرحلة الحالية تستدعي من حزب التقدم والاشتراكية بتيزنيت الانتقال من منطق الدفاع عن الماضي إلى منطق بناء المستقبل، عبر تقييم موضوعي للتجربة، وإطلاق دينامية تنظيمية جديدة، وتجديد النخب، وتقوية التواصل مع المواطنين، والانفتاح على الكفاءات والطاقات الشابة.
فالنقد الذاتي ليس اعترافا بالفشل، بل هو دليل على النضج السياسي. والأحزاب التي تمتلك الشجاعة لمراجعة اختياراتها هي الأكثر قدرة على استعادة ثقة المواطنين.
ويبقى انتخاب قيادة إقليمية جديدة مناسبة لإطلاق مرحلة مختلفة، قوامها العمل الجماعي، وتجديد الخطاب، واستعادة المبادرة السياسية، لأن الرهان الحقيقي ليس الحفاظ على المواقع، بل بناء مشروع تنموي وسياسي يستجيب لتطلعات ساكنة تيزنيت والإقليم.
إن الوفاء للتجربة لا يكون بالدفاع غير المشروط عنها، وإنما بامتلاك الجرأة على نقدها وتطويرها. فالتاريخ السياسي يصنعه الذين يحولون لحظات التراجع إلى فرص للإصلاح والتجديد، لا الذين يكتفون باستحضار الإنجازات الماضية.