Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

قراءات في فكر إدغار موران (1) كتاب “العلم والوعي” (1982): حين تصبح المعرفة أكبر من الحكمة

بقلم إدريس أُوهلال

في زمن أصبحت فيه البشرية قادرة على تعديل الجينات، وتطوير الذكاء الاصطناعي، والتحكم بالخوارزميات التي تعيد تشكيل الوعي والسلوك والاقتصاد والاجتماع والسياسة، يعود إدغار موران ليهمس من بعيد: ليست المشكلة الكبرى أن الإنسان لم يعد يعرف، بل أن معرفته باتت أكبر من حكمته.

قبل عقود كتب إدغار موران كتابه الشهير «العلم والوعي»، لكنه لم يكن يكتب عن العلم بوصفه مختبرا أو معادلات أو اكتشافات علمية فحسب، بل كان يكتب عن مصير الإنسان نفسه حين تنفصل المعرفة عن الوعي، والتقنية عن الأخلاق، والقوة عن الحكمة. لقد أدرك مبكرا أن الحضارة الحديثة لا تعاني من نقص في الذكاء، بل من اختلال عميق في طريقة التفكير ذاتها.

لقد نجح الإنسان الحديث في تفكيك الذرة، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في تفكيك أنانيته وغروره. استطاع أن يكتشف الجينوم البشري، لكنه لم يكتشف بعد حدود تدخله في الطبيعة. بنى أنظمة ذكاء اصطناعي تتعلم أسرع من البشر، لكنه لم يحسم بعد: من يوجه من؟ الإنسان أم الخوارزمية؟

كان موران يرى أن العلم الحديث حقق انتصارات هائلة على الجهل، لكنه في الوقت نفسه صنع شكلا جديداً من العمى؛ لأن التخصص المفرط جعل الإنسان يعرف أجزاء أكثر، لكنه يفهم الكل أقل. أصبح لدينا علماء بارعون في أدق التفاصيل، لكننا نفتقد كثيرا إلى من يستطيع رؤية الصورة الحضارية الكبرى.

وهذا ما نراه اليوم بوضوح في عالم الذكاء الاصطناعي. فالمشكلة الحقيقية لم تعد: هل تستطيع الآلة التفكير؟ بل: ما الذي سيحدث عندما تصبح الخوارزميات أكثر قدرةً على توجيه السلوك البشري من المؤسسات التربوية والثقافية نفسها؟ حين تتحول البيانات إلى سلطة، والانتباه إلى سلعة، والخوارزمية إلى وسيط خفي يعيد تشكيل الرأي العام، والاستهلاك، وحتى العلاقات الإنسانية؟

لقد دخلنا زمناً لم تعد التقنية فيه مجرد أدوات نستخدمها، بل بيئات كاملة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل. وهنا تحديداً تكمن خطورة ما حذر منه موران: أن تتحول المعرفة إلى قوة تشغيلية هائلة منفصلة عن أي بوصلة أخلاقية أو حضارية.

وفي الهندسة الجينية تتجلى المعضلة بصورة أكثر عمقاً. فالإنسان لم يعد يكتفي بعلاج الأمراض، بل بدأ يقترب من إعادة تصميم الحياة ذاتها. أصبح السؤال مطروحاً بجدية: هل يحق للإنسان أن يعيد برمجة الإنسان؟ وهل كل ما نستطيع فعله ينبغي أن نفعله؟ هنا يتكشف الفرق بين القدرة والحكمة. فالتاريخ لا يثبت أن الإنسان يستخدم دائماً قوته بشكل رشيد، بل يثبت أحياناً أن التقدم التقني قد يسبق النضج الأخلاقي بمسافات خطيرة.

أما في الأزمات البيئية، فتبدو مفارقة الحداثة أكثر قسوة. فالحضارة التي امتلكت أعلى درجات السيطرة العلمية على الطبيعة، هي نفسها التي وضعت الكوكب أمام اختلالات مناخية غير مسبوقة. لقد تعامل الإنسان مع الأرض بوصفها مخزناً للموارد، لا منظومةً حية مترابطة. وهنا تظهر عبقرية موران الفكرية حين رفض التفكير الاختزالي الذي يفصل الأشياء عن سياقاتها، والظواهر عن ترابطاتها.

كان يقول إن العالم ليس آلة بسيطة يمكن فهمها بتفكيك أجزائها فقط، بل هو شبكة معقدة من العلاقات والتفاعلات والتأثيرات المتبادلة. لذلك فإن أعقد أزمات عصرنا ليست أزمات تقنية في جوهرها، بل أزمات فهم. نحن نملك أدوات مذهلة، لكننا لا نملك دائماً الرؤية التي تضبط اتجاه استخدامها.

ولهذا دعا موران إلى ما سماه «الفكر المُرَكّب»؛ أي التفكير الذي يرى الترابط بدل التجزئة، والتفاعل بدل العزل، واللايقين بدل أوهام الحسم النهائي. فالعالم المعاصر لم يعد يُفهم بالعقلية الخطية القديمة التي تبحث عن سبب واحد ونتيجة واحدة. نحن نعيش داخل منظومات متشابكة: الاقتصاد متداخل مع التقنية، والتقنية مع السياسة، والسياسة مع الثقافة، والثقافة مع البيئة، وكل قرار صغير قد يصنع آثاراً كبرى غير متوقعة.

ومن هنا تصبح أخطر أوهام العصر الحديث هي وهم السيطرة الكاملة. فكلما توسعت قدرة الإنسان على التحكم بالعالم، ازدادت أيضاً احتمالات الفوضى الناتجة عن هذا التحكم نفسه. التقنية التي توحد البشر قد تستعمل لتفتيتهم. الذكاء الاصطناعي الذي يضاعف الإنتاجية قد يعمق البطالة والعزلة والهيمنة. وسائل التواصل التي وعدت بتوسيع المعرفة قد تتحول إلى مصانع ضخمة للاستقطاب والتشويش وصناعة القطيع الرقمي.

لقد فهم موران مبكراً أن التقدم ليس خطاً مستقيماً صاعداً، بل مسار معقد يحمل في داخله إمكانات البناء والهدم معاً. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف ننتج معرفة أكبر؟ بل: كيف ننتج إنساناً أقدر على حمل هذه المعرفة دون أن يسحق نفسه والعالم بها؟

إن أعظم ما يقدمه إدغار موران اليوم ليس مجرد نقد للعلم، بل دعوة لإعادة بناء العلاقة بين المعرفة والإنسان. فالعلم بلا ضمير قد يمنح البشرية قوةً غير مسبوقة، لكنه قد يسلبها في الوقت نفسه قدرتها على التمييز بين التقدم الحقيقي والتضخم التقني الأعمى.

ولهذا يبدو موران اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى. ففي عصر الذكاء الاصطناعي والتحولات الكبرى، لم تعد البشرية بحاجة إلى مزيد من العقول الباردة فقط، بل إلى وعيٍ أعمق بطبيعة الإنسان وحدود القوة ومعنى المسؤولية. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تصبح الآلات ذكية جداً، بل أن يصبح الإنسان أقل حكمة وهو يزداد قدرة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.