
المغرب والسنغال… حين تتحول وشائج الروح إلى مشروع للمستقبل الإفريقي
في لحظة دالة من تاريخ العلاقات المغربية-السنغالية، أعلن باحثان من البلدين عن قرب صدور مؤلف علمي مشترك يحمل عنوان «المغرب والسنغال: وشائج الروح وتحديات المستقبل»، وهو عمل يُرتقب صدوره مطلع شهر ماي المقبل، ليشكل إضافة نوعية للمكتبة الإفريقية، ومرجعًا يوثق لفرادة الروابط التاريخية والروحية التي جمعت بين الرباط وداكار عبر قرون متعاقبة.
العمل من توقيع الدكتور سيدي علي ماء العينين، الكاتب العام لمؤسسة الشيخ ماء العينين للعلوم والتراث، ورئيس المركز المغربي للتكوين وتنمية القدرات، إلى جانب الدكتور أبو مدين شعيب كبي، أحد علماء الطريقة المريدية، ورئيس مركز الخديم للبحوث والدراسات الصوفية، والمستشار السابق للشؤون الدينية بوزارة الداخلية السنغالية. وهو تعاون علمي يعكس في ذاته عمق الثقة والانسجام الفكري بين نخب علمية وروحية من ضفتي غرب إفريقيا والمغرب.
يسعى هذا المؤلف إلى استعراض الجسور الصوفية والعلمية التي ربطت بين ضفتي نهر السنغال وجبال الأطلس، من خلال تتبع مسارات العلماء والصلحاء، وشبكات الزوايا، وحركية الطلبة والرحالة، بما يبرز كيف أسهم التصوف السني والعلم الشرعي في بناء فضاء روحي مشترك، صاغ ملامح التعايش والتكامل بين الشعوب، قبل تشكل الحدود السياسية الحديثة.
ولا يقف الكتاب عند حدود التوثيق التاريخي، بل يطمح إلى تحويل الذاكرة المشتركة إلى رؤية استشرافية، تجعل من الرأسمال الروحي والثقافي رافعة لتعزيز الدبلوماسية الناعمة، وتوطيد التعاون جنوب-جنوب داخل القارة الإفريقية. فالعلاقات المغربية-السنغالية، كما يعكسها هذا العمل، ليست مجرد علاقات دولة بدولة، بل هي علاقات شعب بشعب، ووجدان بوجدان، تشكلت عبر الإيمان المشترك، والوفاء المتبادل، والاحترام العميق للمرجعيات الدينية.
وأكد المؤلفان أن صدور هذا الكتاب يأتي في توقيت رمزي، يتقاطع مع موجة من التلاحم الشعبي والوجداني بين المغاربة والسنغاليين، تجلت مؤخرًا في مناسبات رياضية وثقافية كبرى. غير أن الرهان، بحسبهما، هو تحويل هذا الحماس العابر إلى وعي حضاري مستدام، قادر على خدمة مشروع بناء مستقبل مشترك، يقوم على الإخاء الدائم، واستحضار الدروس التاريخية في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
ومن المرتقب أن يصدر عن هذا العمل لاحقًا نسخة باللغة الفرنسية، بما يوسع دائرة تلقيه داخل الفضاء الإفريقي والفرنكفوني، ويعزز حضوره في النقاشات الأكاديمية والفكرية حول أدوار الدين والثقافة في بناء العلاقات الدولية.
إن «المغرب والسنغال: وشائج الروح وتحديات المستقبل» ليس مجرد كتاب، بل هو مبادرة فكرية ورسالة حضارية، تذكر بأن ما يجمع الشعوب أعمق من السياسة الظرفية، وأن الروح، حين تُستثمر بوعي، قادرة على أن تكون جسرًا متينًا نحو مستقبل إفريقي أكثر تضامنًا وتكاملاً.