
محاكمة في ميزان الرأي العام: حين تتقاطع العدالة مع معركة مكافحة الفساد
تابع عدد من الفاعلين الحقوقيين والإعلاميين والمهتمين بالشأن العام، أطوار الجلسة التي انعقدت أمام المحكمة الابتدائية بمراكش، والمتعلقة بالملف الذي يتابع فيه محمد الغلوسي على خلفية الشكاية التي تقدم بها البرلماني يونس بنسليمان، المنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، والذي سبق له الانتماء إلى حزب العدالة والتنمية.
وقد تميّزت الجلسة، التي خُصصت لمرافعات هيئة الدفاع، بزخم قانوني لافت، حيث قدّم السادة النقباء والمحامون المؤازرون مرافعات وُصفت بالقوية والمركّزة، تناولت الشكاية من زواياها الشكلية والموضوعية، مدعّمة بوثائق ومعطيات اعتبرها متابعون جوهرية في تفكيك الأسس القانونية للمتابعة. واستغرقت هذه المرافعات ما يقارب خمس ساعات متواصلة، عكست جدية الملف وحساسيته.
وعقب انتهاء مرافعات الدفاع، قررت المحكمة حجز الملف للمداولة والتأمل، مع تحديد يوم الجمعة 16 يناير موعداً للنطق بالحكم، في قرار انتظره الحاضرون بكثير من الاهتمام والترقّب.
اللافت في هذه الجلسة لم يكن فقط ما دار داخل قاعة المحكمة، بل أيضاً الحضور المكثف لهيئة الدفاع والمتضامنين، حيث سجّل متابعون مشاركة محامين قدم بعضهم من مدن أخرى، متحملين عناء السفر، في خطوة اعتُبرت تعبيراً واضحاً عن قناعة مهنية وحقوقية بضرورة مؤازرة المتابع والدفاع عن ما يعتبرونه حقاً في التعبير ومساءلة الفساد.
كما عرفت أطوار المحاكمة حضور عدد من المتضامنين والمهتمين، الذين اختاروا مساندة المتابع بالحضور أو عبر مواقف مكتوبة وتصريحات وبيانات، معتبرين أن القضية تتجاوز شخصاً بعينه، لتلامس أسئلة أوسع تتعلق بمحاربة الفساد ونهب المال العام، وحدود المتابعة القضائية في قضايا الرأي والتبليغ.
ويرى متابعون أن هذا الملف يندرج ضمن سياق عام يتسم بتزايد التوتر بين من يرفعون صوتهم ضد الفساد والريع والإثراء غير المشروع، وبين من يعتبرون أنفسهم معنيين أو متضررين من هذه المواقف. وهو ما يجعل من هذه المحاكمة، في نظر كثيرين، اختباراً حقيقياً لمدى استقلال القضاء وقدرته على الموازنة بين حماية الحقوق والحريات، وضمان احترام القانون.
كما لاحظ عدد من الحاضرين أن النقاش الذي أثارته القضية، سواء داخل المحكمة أو خارجها، كشف عن اصطفافات واضحة: بين من يختار الوقوف إلى جانب ما يعتبره معركة مبدئية من أجل النزاهة والشفافية، ومن يفضّل الترقب أو اتخاذ مسافة حيادية، في انتظار مآلات الحكم.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المداولة القضائية، يظل هذا الملف محط متابعة واسعة، ليس فقط لنتيجته القانونية، ولكن أيضاً لما يحمله من دلالات سياسية وحقوقية، في سياق مغربي لا تزال فيه معركة مكافحة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة إحدى القضايا المركزية المطروحة على الدولة والمجتمع.