Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

«الملحد».. فيلم يقظة فكرية يكشف أقنعة الرجعية ويضع العقل في الواجهة

بقلم محمد بدني

الفيلم «الملحد» ليس مجرد عمل سينمائي يمر مرور الكرام، بل تجربة فكرية متكاملة تُجبر المتلقي على تشغيل أدواته النقدية منذ المشاهد الأولى. إنّه عمل جدير بالمشاهدة، لا لأنّه يثير الجدل وحسب، بل لأنه ينجح في تحويل السينما إلى مساحة اشتغال للعقل، بعيداً عن أي تزييف أو مجاملة. كل مشهد وكل حوار فيه يفتح نافذة على سؤال، ويغلق باباً على مسلمات طال ترسيخها في عقول الجمهور، فينهض بوظيفة السينما التنويرية في أبهى صورها.
الفيلم، ببنائه الحداثي ورموزه الواضحة، لا يكتفي بطرح الأسئلة بل يزعزع أركان الفكر الرجعي ويعيد ترتيب علاقة الإنسان بالمعنى والحرية والعقل. وحتى مشهد النهاية الذي أثار نقاشات واسعة، بدت مفارقاته صادمة: فهناك من ادّعى الحداثة ولم يستوعب مغزاه، ومن انساق وراء القراءة السطحية فوقع في فخ ما أراده الفيلم ابتداءً أن يفضحه. هذه المفارقة وحدها تكشف أن العمل نجح في ما هو جوهري: تحريك التفكير لا تقديم إجابات جاهزة.
لا يمكن الحديث عن الفيلم دون التوقف عند اسم الأستاذ إبراهيم عيسى، الذي أكد مرة أخرى مكانته كأحد أبرز العقول القادرة على تحويل الفكرة إلى سيناريو حيّ يتنفس على الشاشة. ما قبل «الملحد» ليس كما بعده، إذ أرخ الفيلم لمرحلة جديدة في السينما العربية، مرحلة أكثر جرأة في مساءلة الواقع وإعادة النظر في مساحات ظلت محرّمة أو مؤجلة.
القصة، التمثيل، البناء، والاشتغال على التفاصيل؛ كلها عناصر تلتقي لتشكّل عملاً يضع مشرط المفكر على الجرح مباشرة، فيشخّص مكامن التخلف السلطوي ويكشف بلا تردد تجارة الدين واستغلاله. لقد عرّى الفيلم البنية الداخلية لجماعات ادّعت امتلاك الحقيقة، وقدمها بما هي عليه: صانعة للانغلاق ومقموعة للعقل، منسجمة في ظاهرها ومتناقضة في جوهرها، حتى بدا صوتها في الفيلم صدى لصرخات التكفير والتشريع للجهل.
«الملحد» ليس فيلماً للترف الفكري، بل علامة فارقة في السينما، عمل يحرر النقاش من الخوف ويمنح الفن دوره الطبيعي: أن يكون في مواجهة الظلام لا في خدمته.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن الفيلم لا يكتفي بأن يُشاهد، بل يجب أن يُقرأ ويُناقش ويُعاد تأمله، لأن قيمته الحقيقية تكمن في أثره الممتد خارج قاعة العرض.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.