Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

تافراوت : ” القروانية ” تجمع بين النخب الفكرية والاكاديمية والفعاليات الجمعوية والمنتخبين بأملن.

متابعة اتيك ميديا

في قلب الأطلس الصغير، حيث تتعانق الجبال مع الحقول، اختار مهرجان تيفاوين أن يجعل من “القروانية” محوراً للتفكير والنقاش العلمي ضمن الدورة الـ11 للجامعة القروية محمد خير الدين. اللقاء، الذي احتضنته جماعة أملن مساء الجمعة 8 غشت 2025، جمع نخبة من الباحثين والأكاديميين والفاعلين الترابيين، ليطرح أسئلة جوهرية حول حاضر ومستقبل العالم القروي في المغرب.

القروانية: أكثر من مجرد “ريف”

المفهوم الذي تمت ترجمته عن الفرنسية “Ruralité” لا يقتصر على البعد الجغرافي أو الاقتصادي، بل يعبر عن نمط حياة متكامل، يتشكل من شبكة من القيم والعلاقات الاجتماعية، وأنماط الإنتاج التقليدية، والمعمار المحلي، واللغة، وحتى العلاقة مع الزمن والطقس.
ورغم أن التحولات العمرانية والاقتصادية جعلت الحدود بين القروي والحضري أكثر ضبابية، إلا أن القروانية ما زالت تحتفظ بخصوصيات تجعلها مجالاً فريداً للدراسة والبحث.

تحولات جذرية في بنية المغرب القروية

العروض العلمية أبرزت أن المغرب كان حتى منتصف القرن العشرين يغلب عليه الطابع القروي، قبل أن تبدأ ملامح التحضر في البروز بشكل متسارع، خاصة بعد فترة الحماية.
الأرقام الحديثة من إحصاء 2024 توضح أن حوالي 23 مليون مغربي يعيشون في المدن مقابل 14 مليون في القرى، وهو اتجاه يعكس مساراً عالمياً نحو تمدد الحواضر، مع ما يرافقه من ظواهر متناقضة مثل “ترييف المدن” و*”تمدين القرى”*.

القروية كمنظومة أعراف واحتفالات

جانب مهم من النقاش، الذي أطره الأساتذة إبراهيم أوبلا، وأحمد عصيد، وعبد العزيز ياسين، ونور الدين تيلمتا ومن تسيير الاستاذ رشيد اوباغاح في الجلسة الختامية حيث تناول المتدخلون  دور الأعراف المحلية والشرع في تنظيم الحياة اليومية بالبادية، وخاصة بمنطقة تافراوت.
تمت الإشارة إلى منظومة القوانين العرفية التي تسهر على تدبير الموارد المشتركة مثل المياه والأراضي الجماعية، وحل النزاعات، وتنظيم العمل الفلاحي والرعوي. كما تم التوقف عند مظاهر الاحتفال الشعبية التي تشكل جزءاً من الهوية القروية، وعلى رأسها رقصة أحواش التي تجمع بين الموسيقى والشعر الجماعي والحركة الإيقاعية، إضافة إلى طقوس المواسم والأسواق الأسبوعية.
هذه الممارسات، المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية التقليدية كالفلاحة وتربية الماشية وجني اللوز، ليست مجرد نشاطات مادية، بل هي تعبير ثقافي واجتماعي يعكس رؤية متكاملة للعالم ويعيد إنتاج الروابط بين الفرد والجماعة.

تهديدات الهوية والثقافة الأمازيغية

ناقش المتدخلون أيضاً التحديات التي تواجه الهوية والثقافة والتراث الأمازيغي في المغرب عموماً، وفي سوس بشكل خاص، حيث تتقاطع عوامل متعددة تهدد هذا الموروث، من بينها:

التغيرات الاجتماعية والديموغرافية التي تدفع نحو هجرة الشباب من القرى وفقدان حاملي الذاكرة الثقافية.

التحولات الاقتصادية التي تقلص من دور الأنشطة التقليدية، وما يرتبط بها من فنون وعادات.

التأثيرات الإعلامية والثقافية العالمية التي تفرض أنماط عيش موحدة على حساب الخصوصيات المحلية.

ضعف التوثيق والحماية القانونية لبعض الممارسات والفنون الشفوية، مما يجعلها عرضة للاندثار.
وأكد المشاركون أن الحفاظ على الثقافة الأمازيغية يتطلب مقاربة شمولية تجمع بين التعليم، الإعلام، البحث الأكاديمي، والتنمية الاقتصادية المحلية، حتى تظل القروانية الأمازيغية حية ومجددة عبر الأجيال.

أسئلة مفتوحة نحو المستقبل

الندوة لم تكتفِ بوصف الظواهر، بل سعت إلى مساءلة الإمكانات الكامنة في القروانية:

هل يمكن اعتبارها رصيداً استراتيجياً للتنمية؟

إلى أي مدى تستطيع استيعاب التحولات الاقتصادية والاجتماعية دون أن تفقد هويتها؟

وهل يمكن أن نشهد في المستقبل “قروانية جديدة” تدمج التراث بالحداثة؟

فضاء للتلاقي والحوار

فعاليات الجامعة القروية أثبتت أن القروية ليست موضوعاً أكاديمياً صرفاً، بل مجالاً حياً يتقاطع فيه التراث والثقافة والتنمية. وجماعة أملن، بفضائها الطبيعي والتراثي، شكلت الإطار المثالي لهذا النقاش الذي جمع بين النخب الفكرية، الأكاديميين، المنتخبين، والفاعلين الجمعويين، في محاولة لقراءة ماضي القروية وفهم حاضرها واستشراف مستقبلها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.