Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

الحبيب نونو : الحسين الشعبي منبع عطاء لا ينضب في مجالات الثقافة والفنون والنضال من اجل قضاياها

بمناسبة تقلده مهمة رئيس النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية في المؤتمر الوطني الثامن 1 و 2 فبراير 2025، اهدي له هذه المقالة مع وافر التقدير والحب والاحترام.

*الحسين الشعبي منبع عطاء لا ينضب في مجالات الثقافة والفنون والنضال من اجل قضاياها*

إن التراكم الذي حققته الحركة المسرحية في أكادير خلال العقدين الأخيرين، والذي غابت عنه المصاحبة النقدية والمتابعات الصحفية والإعلامية، أفرز وضعًا جديدًا وجيلًا من الممارسين الذين نشأوا في أحضان حركة مسرحية أساسها العصامية. ورغم ذلك، كان تأطيرهم موكولًا لثلة قليلة من الأساتذة العظام الذين اختاروا أن يلعبوا دور قاطرة التنوير، وينغمسوا في الشأن النضالي والتنظيمي لهذه الحركة من خلال “قلعة الاتحاد المسرحي” سابقًا، وعلى رأسهم الأستاذ الفنان والمناضل الحسين الشعبي، ومعه آنذاك الأساتذة الأفاضل: عز الدين بونيت، عبد القادر عبابو، عمر حلي، والمرحوم حسن الصوابني… وكانوا في تواصل مستمر مع رجالات الفكر والإبداع محليًا، مثل رشيد يحياوي، رشيد أوترحوت، محمد أفوالي، ومحمد الباز، ووطنياً، مثل حسن لمنيعي، عبد الكريم برشيد، عبد الرحمان بن زيدان، عبد الله شقرون، الطيب الصديقي، محمد تيمد، المسكيني الصغير، وسعد الله عبد المجيد، لتغذية هذه الحركة بتصورات نظرية وجمالية من خلال ندوات فكرية رفيعة المستوى.

كان الحسين الشعبي منغمسًا أشد الانغماس في التحضير الدقيق لهذه التظاهرات، وكان يواجه حربًا ضروسًا ضد المفاهيم المغلوطة إيديولوجيًا، مدافعًا بشجاعة معروفة في بحر الاجتماعات أو خارجها، أو عبر المرافعات النظرية المباشرة أمام الجمهور. ورغم ذلك، لم يكن يفسد روابط الود مع نظرائه، بل كان ملتزمًا بالسلوك الديمقراطي، متشبثًا بقيم الفن النبيل…

أعتبره ضمن هذه المجموعة عنصراً قيادياً بامتياز ومخططًا لآفاق الحركة المسرحية، حيث وضع بصمته على مكامن الخلل في الحركة المسرحية، مثل ضعف المنهجية في الممارسة، والتشردم التنظيمي، والدعم المجاني… كانت هذه أسئلة طرحها لفتح آفاق رحبة للحركة، وتحصين إنجازاتها، وتعبيد الطريق أمامها بعناية المسؤولين ودعمها مادياً. في هذا الإطار، كان يناضل بقلمه عبر مقالات متعددة على صفحات الجرائد، بأسماء مستعارة أحيانًا، متواضعًا في عمله ليؤدي الأمانة الوطنية بكل إخلاص، وليطالب بتوفير بيئة صحية لاستمرار الحركة المسرحية، مساهمة في نسيج التنمية الشاملة للمغرب في القرن الواحد والعشرين. وكان فعله هذا يفتح الشهية لأقلام صحفية أخرى لتواكب التظاهرات المسرحية، حيث كنا نستمتع بطلعات نقدية غنية بالمضامين.

بفضل غزارة ثقافته ومواكبته للعلوم المعاصرة، وعشقه للأدب والشعر والفن التراثي، اكتسب الحسين الشعبي صفة “المثقف المعلم”. كان قطبًا جاذبًا للعديد من المريدين، من بينهم عبد ربه، وكان جد منفتح على جميع التيارات الفكرية، يكره التزمت. ثقافته الواسعة وتخطيطه للمشاريع الكبرى دفعته للاعتذار عن الالتزامات الوظيفية عندما كان أستاذًا للغة العربية في أولاد التايمة، ليتفرغ كليةً لشؤون السياسة والعمل الصحفي والثقافي والمسرحي والنقابي في المركز. تحمل في الظل مسؤوليات جسام في الحزب والجريدة والنقابة، وكان رفيقه في هذه المسيرة الأخ عبد العزيز الفاروقي، رجل ذو هامة كبيرة، يحلمان منذ الصغر بتنوير المجتمع. كانت صداقتهما لا حدود لها، وعلاقتهما غنية بالعمل البناء، حيث لم يخضعا للابتزاز.

تجرع الحسين الألم حين فقد رفيقه الفاروقي، حيث مر بفترة صعبة مليئة بالقلق والتوتر، لكنه أظهر صلابة غير معهودة في تحمل المصاب الجلل، وكان في ذلك عبرة وحياة. رغم ذلك، تعهد مع رفيقه على الأخلاق الكريمة والتواضع، فكان الحسين دائمًا على تواصل مع الجميع، يغرس فيهم ثمار الثقافة ويحثهم على الاجتهاد والعمل الجاد.

يعتبر الحسين الشعبي رمزًا من رموز النهضة المسرحية في المغرب، حيث كان لفكره فعل وأثر كبير في الساحة المسرحية. فكرٌ خلق ديناميكية نشيطة، وأعاد الاعتبار لوضع الفن والفنانين من خلال مشروعات طموحة كان ينسقها مع أصدقائه: محمد قاوتي، حسن النفالي، ومحمد الدرهم ومسعود بوحسين. هؤلاء الأسماء الكبيرة شقت الطريق نحو المستقبل، وها هم الآن يواصلون دورهم في حركة البناء والتقدم، رغم الظروف الصعبة.

لا بد أن نعرج على ثوابت وأصول الحركة المسرحية في أكادير، والتي كانت الحسين الشعبي أحد أبرز مؤسسيها. انطلقت الحركة في السبعينيات، في أحضان “أنوار سوس”، المؤسسة التي وضعت خطابًا ثقافيًا جريئًا استمد أساسه من علاقة الفن بالمجتمع، والفهم العميق للعلاقة بين الثقافة والسياسة. كانت هذه الحركة تعبيرًا عن إرادة التغيير، وبرزت إلى جانبها فرق أخرى قدمت رؤى وتجارب متنوعة، مما أضاف نكهة للتنافس والالتزام في القضية المسرحية.

وفي هذا السياق، كان الحسين الشعبي يمثل رمزًا للمقارعة الفكرية والنقدية، حيث كانت المناقشات الفكرية الجادة تبرز في الملتقيات والمهرجانات، وكانت الانتقادات ترافق غالبًا الأسئلة الإيديولوجية، مما أدى إلى هيمنة الطابع السياسي على الأعمال الفنية على حساب الجوانب الجمالية.

من خلال هذه التجربة، حافظ الحسين على عزمه في مواجهة التهميش، وفتح الباب أمام بناء مؤسسة ثقافية حقيقية تعمل لصالح الفن والمبدعين في المغرب، وساهم بفعالية في تأسيس النقابة الوطنية لمحترفي المسرح.

لقد شكل الحسين الشعبي، إلى جانب جمعيات أخرى مثل “الأمل”، و”سنابل أنزا”، و”الشعلة”، قوة إصرار وتحدي، وشكلت هذه الجمعيات بنية صلبة ساعدت في استمرارية مهرجان الاتحاد المسرحي، الذي بلغ ذروته في دورته الثالثة عشر. كانت هذه الدورة نقطة فارقة في تاريخ المسرح المغربي، حيث جمعت عروضًا متميزة من المغرب ومنطقة المغرب العربي، وأسهمت في طرح أسئلة كبيرة حول واقع المسرح المغربي، وتحدياته التنظيمية.

إن إصرار الحسين الشعبي وعمق رؤيته للفعل الثقافي يجعلنا نجزم أنه لو كان على رأس قيادة الفن والثقافة في المغرب، لكانت هناك معجزات تتحقق، لأنه يمتلك ثقافة تنويرية واسعة، ويحسن الحوار والتفاوض، ويعرف كيف يقود الفعل الثقافي نحو الأفق الأرحب.

الحبيب نونو / مكون ومخرج مسرحي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.