
هل تتراجع الأمازيغية أمام زحف الدارجة والتمدن؟قراءة سوسيولوجية صادمة لنتائج الإحصاء الأخير في المغرب.
بقلم محمد جواد سيفاو
تكشف نتائج الإحصاء الأخير لعام 2024 عن معطيات ديموغرافية وثقافية تعكس ديناميات اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة في المغرب. إذ يشير التقرير إلى أن 25% من المغاربة يتحدثون الأمازيغية، بينما تحقق الدارجة المغربية نسبة هيمنة بلغت 91.9% كلغة تواصل يومي. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات صماء، بل هي مؤشرات تكشف عن تفاعلات تاريخية وثقافية مركبة بين الهويات المحلية ومتطلبات العولمة والتحديث. لفهم هذه النتائج من منظور سوسيولوجي، لا بد من العودة إلى التاريخ المعقد للمغرب كمجتمع متعدد الثقافات والهويات. فقد تعرضت الأمازيغية، بصفتها عنصراً أصيلا في الهوية المغربية، لضغوط هيكلية خلال مراحل الاستعمار وما بعده. الاستعمار الفرنسي، على سبيل المثال، فرض هيمنة لغوية على المؤسسات التعليمية والإدارية، مما أدى إلى تهميش الأمازيغية. ورغم ترسيمها كلغة رسمية في دستور 2011، ظلت المكاسب التي تحققت لهذه اللغة محدودة، حيث لم تترجم السياسات إلى تغيير ملموس في الاستعمال اليومي أو الانتشار الاجتماعي. في المقابل، يُظهر التمدن في العقود الأخيرة ديناميات جديدة عززت هيمنة الدارجة المغربية، خصوصاً في المدن الكبرى. إذ أصبح الانتقال من القرى إلى الحواضر الكبرى يتطلب لغة وسيطة تجمع أفراداً من خلفيات لغوية متباينة، وهو ما ساهم في تعزيز مركزية الدارجة المغربية، مع تراجع استخدام الأمازيغية التي تظل مرتبطة بالمجتمعات الريفية الأقل اندماجاً في ديناميات التمدن والعولمة.
التعليم، باعتباره أداة رئيسية لإعادة إنتاج الهويات اللغوية، يُظهر عجزاً هيكليا في تعزيز اللغة الأمازيغية. فرغم دمجها في المناهج الدراسية، يظل تطبيق هذه السياسات ضعيفا نتيجة نقص الكوادر المؤهلة والموارد. المدارس الحضرية، على وجه الخصوص، تكرس هيمنة اللغات الأجنبية مثل الفرنسية والإنجليزية، مما يعكس استمرار تأثير الاستعمار اللغوي. في المقابل، يُنظر إلى الدارجة المغربية كلغة وظيفية تستجيب لاحتياجات السوق والاقتصاد المعولم، بينما تُترك الأمازيغية في منافسة غير متكافئة. التحولات الديموغرافية تُضاف إلى هذا المشهد، حيث يشير انخفاض معدل الخصوبة إلى تغييرات في بنية الأسرة المغربية. الأسرة، التي كانت الحاضنة الأولى للغة الأمازيغية، تفقد تدريجياً هذا الدور مع تقلص حجمها وارتفاع أهمية اللغات ذات القيمة السوقية الأعلى. يُظهر هذا التراجع كيف يمكن أن تكون اللغة الأمازيغية ضحية لمنطق الحداثة الاقتصادية التي تعطي الأولوية للغات الأكثر تداولاً في التعليم والعمل. هذا التحول في دور المدرسة والأسرة يعكس تغييرات عميقة في القيم الاجتماعية التي تحكم خيارات الأفراد، والتي باتت تركز أكثر على متطلبات السوق والاندماج في الاقتصاد العالمي، ما يضع اللغات التقليدية، مثل الأمازيغية، في وضعية صعبة.
من زاوية سوسيولوجية أعمق، يعكس التقسيم الجغرافي-اللغوي تفاوتات تنموية عميقة. المناطق الريفية، التي تحتفظ بدورها كمحاضن للأمازيغية، تعاني من التهميش الاقتصادي والاجتماعي، مما يُضعف قدرتها على الحفاظ على التراث الثقافي واللغوي. في المقابل، تُعزز المدن الكبرى ديناميات التكيف مع العولمة من خلال تبني الدارجة كلغة وسيطة، وهو ما يعكس تفاقم الفجوة بين الهامش والمركز. التعددية اللغوية في المغرب ليست مجرد انعكاس للواقع الثقافي، بل هي أيضاً مسألة سياسية بامتياز. رغم الاعتراف الرسمي بالأمازيغية، فإن سياسات الدولة غالباً ما تتسم بالتناقض، حيث تُركز على الخطاب الرمزي دون اتخاذ خطوات ملموسة لتعزيز هذه اللغة في مجالات مثل الاقتصاد والإدارة. هذا التوتر بين الخطاب والممارسة يُبرز الحاجة إلى رؤية استراتيجية أكثر شمولية لتحقيق الانسجام بين الهويات اللغوية ومتطلبات التنمية.
نتائج الإحصاء الأخير تُحذّر من تداعيات استمرار هذه الديناميات على التوازن الثقافي في المغرب. تعزيز مكانة الأمازيغية يتطلب إرادة سياسية قوية وسياسات تنموية فعّالة تركز على التعليم والإعلام باعتبارهما أدوات رئيسية لإحياء التنوع اللغوي. تحقيق هذا الهدف ليس مجرد مسألة هوية، بل هو شرط أساسي لتحقيق تنمية مستدامة تعترف بجميع مكونات المجتمع المغربي.
محمد جواد سيفاو
باحث وفاعل في مجال الصناعة الثقافية والفنية.