قراءة في محاضرة «ماذا يمكن أن نأمل في القرن الحادي والعشرين؟» (2012)
بقلم إدريس أُوهلال
حين طرح الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران سؤاله: «ماذا يمكن أن نأمل في القرن الحادي والعشرين؟»، لم ينطلق من الاقتصاد أو السياسة، بل من الإنسان ذاته. فقبل البحث عن مستقبل العالم، ينبغي أن نتساءل: من هو الإنسان الذي يصنع هذا المستقبل؟ وهل ازداد حكمة بقدر ما ازداد معرفة؟
يرى موران أن المفارقة الكبرى في عصرنا تكمن في أننا نعرف عن الإنسان أكثر من أي زمن مضى، لكننا نفهمه أقل من أي وقت سابق. فقد حققت العلوم الحديثة تقدماً هائلاً في دراسة الدماغ والنفس والمجتمع والاقتصاد، غير أنها تعاملت مع الإنسان بوصفه مجموعة من الأجزاء المنفصلة، فغابت صورته الكلية. والإنسان، في نظر موران، ليس كائناً عاقلاً فحسب، بل هو أيضاً كائن يحمل في داخله العقل والعاطفة، والإبداع والجنون، والمصلحة والإيثار، والقدرة على البناء كما يحمل القدرة على التدمير.
ومن هنا يؤكد أن الأزمة التي يعيشها العالم اليوم ليست اقتصادية أو سياسية فقط، بل هي قبل كل شيء أزمة حضارية. فالعلم يتقدم بوتيرة متسارعة، بينما لا تتوقف الحروب. والتكنولوجيا تحقق إنجازات مذهلة، لكن مشاعر العزلة والقلق تتزايد. ووسائل التواصل قرّبت المسافات بين البشر، لكنها لم تجعلهم أكثر فهماً لبعضهم بعضاً. لقد أصبح الوصول إلى المعلومات أسهل من أي وقت مضى، في حين أصبح الوصول إلى الحكمة أكثر صعوبة.
وتتجلى هذه المفارقة بوضوح في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يمنح الإنسان قدرات غير مسبوقة، لكنه لا يجيب عن السؤال الأكثر أهمية: كيف ينبغي استخدام هذه القوة؟ فالتقنية لا تحدد غاياتها بنفسها، وإنما يحددها الإنسان، وهنا يكمن جوهر الأزمة. فالمشكلة ليست في امتلاك الوسائل، بل في غياب البوصلة الأخلاقية التي توجه استخدامها.
كما ينتقد موران نموذج التنمية السائد، الذي يقيس النجاح بمعدلات النمو والاستهلاك وحدها، متجاهلاً أن جودة الحياة لا تختزل في المؤشرات الاقتصادية. فالتحدي الحقيقي ليس أن ننمو أكثر، بل أن نحدد ما الذي يستحق أن ينمو، وما الذي ينبغي أن يتراجع. ينبغي أن تنمو المعرفة، والتضامن، والاقتصاد المستدام، بينما يتراجع الهدر، والاستهلاك المفرط، واستنزاف الموارد الطبيعية.
وانطلاقاً من هذا التصور، يدعو موران إلى ما يسميه «سياسة الإنسانية»، وهي رؤية حضارية تجعل الإنسان في قلب التنمية، وتعمل على التوفيق بين التقدم العلمي والقيم الأخلاقية، وبين الاقتصاد والمجتمع، وبين الإنسان والطبيعة، بدلاً من اختزال كل شيء في معيار الربح.
ومع ذلك، لا ينزلق موران إلى التشاؤم، كما لا يعتنق تفاؤلاً ساذجاً. فهو يذكرنا بأن التحولات الكبرى في التاريخ لم تبدأ دائماً بقرارات سياسية ضخمة، بل كثيراً ما انطلقت من أفكار صغيرة بدت في البداية مستحيلة. ولذلك فإن الأمل، في نظره، لا يعني ضمان النجاح، وإنما يعني الإيمان بإمكانية تغيير المسار قبل أن تتحول الأزمات إلى قدر محتوم.
ويختصر موران مشروعه الفكري برسالة عميقة: إن القرن الحادي والعشرين لن تنقذه التكنولوجيا وحدها، ولا الاقتصاد وحده، ولا السياسة وحدها، بل سينقذه إنسان قادر على أن يربط المعرفة بالحكمة، والقوة بالمسؤولية، والتقدم بالقيم. فالمشكلة الحقيقية لم تعد في قدرة الإنسان على تغيير العالم، وإنما في قدرته على ألا يدمره وهو يحاول تغييره.