
بين حلم “الإلدورادو الأوروبي” ومرارة الواقع: لماذا يغامر الشباب بأرواحهم؟
لم يكن المشهد الذي شهدته مدينة سبتة يوم 30 يوليوز، بالتزامن مع احتفالات الشعب المغربي بعيد العرش المجيد، مجرد محاولة جديدة للهجرة غير النظامية، بل كان ناقوس إنذار اجتماعي يستدعي وقفة تأمل ومسؤولية جماعية. فحين يختار شباب في مقتبل العمر المجازفة بحياتهم في البحر أو عند الحدود، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: كيف حدث ذلك؟ بل لماذا وصلوا إلى هذه المرحلة؟
إن الهجرة غير النظامية ليست قراراً يُتخذ في لحظة اندفاع، بل هي غالباً نتيجة تراكمات معقدة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية. فالبطالة، وهشاشة فرص الشغل، وصعوبة تحقيق الاستقلال المادي، والشعور بانسداد الأفق، كلها عوامل تدفع بعض الشباب إلى الاعتقاد بأن الضفة الأخرى من البحر تمثل الطريق الوحيد نحو مستقبل أفضل.
ولا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في رسم صورة مثالية للحياة في أوروبا، حيث تُعرض قصص النجاح والمظاهر الاستهلاكية دون إظهار ما يرافق الهجرة من معاناة قانونية، أو ظروف عمل قاسية، أو مخاطر الاستغلال، أو حتى احتمال الترحيل. وهكذا يتشكل في أذهان بعض الشباب ما يشبه “الإلدورادو الأوروبي”، باعتباره حلماً جاهزاً لكل المشكلات.
لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. فالهجرة غير النظامية كثيراً ما تنتهي بمآسٍ إنسانية، أو بفقدان الأرواح، أو بالسقوط في شبكات الاتجار بالبشر، أو بالعيش في أوضاع هشة تفتقر إلى الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار. لذلك فإن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية وحدها، رغم أهميتها في حماية الأرواح ومحاربة شبكات التهريب، بل تستوجب أيضاً مقاربة تنموية تجعل الشباب يشعر بأن مستقبله ممكن داخل وطنه.
لقد حقق المغرب خلال السنوات الأخيرة مشاريع تنموية وبنيات تحتية كبرى، غير أن التحدي الحقيقي يظل هو تحويل هذه الإنجازات إلى فرص ملموسة للشباب في مختلف الجهات، من خلال خلق فرص الشغل، وتحسين جودة التعليم والتكوين، ودعم المبادرة الخاصة، وتعزيز العدالة المجالية، حتى يشعر المواطن بأن التنمية تنعكس على حياته اليومية.
كما أن الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع المدني مطالبون جميعاً بترسيخ ثقافة الأمل والعمل، وبناء وعي واقعي لدى الشباب حول مخاطر الهجرة غير النظامية، مع إبراز النماذج الناجحة التي صنعت مستقبلها بالاجتهاد والمثابرة داخل الوطن أو عبر مسارات هجرة قانونية وآمنة.
إن تزامن هذه المحاولة مع مناسبة وطنية جامعة كعيد العرش يمنح الحدث بعداً رمزياً، لكنه لا ينبغي أن يحجب ضرورة مناقشة الأسباب الحقيقية التي تدفع بعض الشباب إلى المخاطرة بحياتهم. فحب الوطن لا يتعارض مع المطالبة بفرص أفضل، كما أن معالجة الظواهر الاجتماعية تتطلب الإنصات للواقع، بعيداً عن المزايدات أو الأحكام المسبقة.
وفي النهاية، يبقى الاستثمار في الإنسان، وخصوصاً في فئة الشباب، هو الضمانة الحقيقية لمستقبل أكثر استقراراً. فحين يجد الشاب فرصة للعمل، وإمكانية لتحقيق ذاته، وإحساساً بالكرامة والانتماء، يصبح الوطن بالنسبة إليه فضاءً للأمل لا محطةً للعبور، ويغدو حلم النجاح مشروعاً يُبنى داخل الوطن، لا مغامرةً قد تنتهي في عرض البحر.