Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

الدعاية الانتخابية الرقمية قبل أوانها في المغرب: حدود التواصل السياسي ورهانات تكافؤ الفرص في ضوء القانون التنظيمي رقم 53.25

بقلم عبد الله صمايو : مهتم بتحليل وتقييم السياسات العمومية

مقدمة

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر 2026، يشهد الفضاء السياسي المغربي تصاعدًا ملحوظًا في توظيف الأحزاب السياسية لمنصات التواصل الاجتماعي في تقديم برامجها والتعريف بمرشحيها والتواصل مع الناخبين.

وقد أعاد هذا التحول الرقمي طرح إشكالية قانونية ودستورية دقيقة تتمثل في تحديد الحدود الفاصلة بين التواصل السياسي والحزبي المشروع، الذي يدخل ضمن الوظائف الدستورية للأحزاب السياسية، وبين الدعاية الانتخابية السابقة لأوانها التي تخضع لضوابط زمنية وقانونية محددة.

وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى طبيعة الممارسات الرقمية التي تقوم بها بعض الأحزاب، ومنها نشر مضامين تتصل بالاستحقاقات التشريعية المقبلة، والتعريف بالبرامج الانتخابية، وتقديم وكلاء اللوائح والمرشحين، فضلًا عن اللجوء، في بعض الحالات، إلى الإعلانات الرقمية الممولة لتوسيع نطاق الوصول إلى الجمهور.

وتطرح هذه الممارسات سؤالًا جوهريًا: متى يتحول التواصل الحزبي المشروع إلى دعاية انتخابية سابقة لأوانها؟ وهل تكفي الإشارة إلى البرنامج أو المرشح أو الاستحقاق الانتخابي، منفردة أو مجتمعة، لاعتبار المنشور الرقمي حملة انتخابية خارج الأجل القانوني؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي استحضار الإطار الدستوري والقانوني المنظم للانتخابات، فضلًا عن الاجتهاد القضائي المتعلق بتكافؤ الفرص وسلامة العملية الانتخابية، مع مراعاة الخصوصيات التقنية للفضاء الرقمي.

أولًا: الدعاية الانتخابية قبل الأوان بين التواصل الحزبي والحملة الانتخابية

تخضع انتخابات مجلس النواب لأحكام القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، كما تم تغييره وتتميمه بموجب النصوص اللاحقة، ومن بينها القانون التنظيمي رقم 53.25.

وقد أحاط المشرع المغربي الحملة الانتخابية بإطار زمني محدد، بما يضمن وحدة شروط المنافسة بين مختلف الأحزاب والمترشحين، ويحول دون استغلال بعض الفاعلين لفترات زمنية تسبق انطلاق الحملة الرسمية من أجل تحقيق أفضلية انتخابية غير متاحة لباقي المتنافسين.

وتكمن الصعوبة في المجال الرقمي في أن الفصل بين التواصل السياسي العام والترويج الانتخابي لا يكون دائمًا واضحًا.

فالحزب السياسي يظل، من حيث المبدأ، مخولًا دستوريًا للتواصل مع المواطنين، وعرض مواقفه السياسية، وتقييم السياسات العمومية، والتعريف ببرامجه، وتأطير المواطنين. غير أن هذا الحق لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة للالتفاف على الضوابط الزمنية للحملة الانتخابية.

ومن ثم، فإن التكييف القانوني للمنشور الرقمي لا ينبغي أن يقوم فقط على الكلمات المستعملة فيه، وإنما على مضمونه وسياقه وهدفه والجهة المستهدفة وتوقيته وطريقة توزيعه.

فحين يتعلق الأمر بمنشورات متكررة تجمع بين الاستحقاق الانتخابي المحدد، والبرنامج الانتخابي، وأسماء المرشحين أو صورهم، وتستعمل تقنيات الاستهداف المدفوع للوصول إلى جمهور واسع، فإن عناصر عدة تصبح مجتمعة أمام جهة التكييف القانوني، بما قد يثير شبهة تجاوز التواصل الحزبي العام إلى ممارسة انتخابية سابقة لأوانها.

ثانيًا: تكافؤ الفرص والحياد في البيئة الرقمية

لا يمكن معالجة هذه المسألة بمعزل عن المبادئ الدستورية المؤطرة للانتخابات.

فالفصل السابع من دستور 2011 يقر الوظائف الأساسية للأحزاب السياسية في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوين إرادتهم والمشاركة في ممارسة السلطة.

غير أن ممارسة هذه الوظائف تظل محكومة بمبدأ احترام القواعد المنظمة للتنافس الانتخابي، وفي مقدمتها تكافؤ الفرص ونزاهة العملية الانتخابية.

وتكتسب هذه المبادئ أهمية مضاعفة في البيئة الرقمية، حيث أصبح بالإمكان تحويل منشور حزبي عادي إلى حملة واسعة الانتشار خلال فترة وجيزة، خصوصًا عبر الإعلانات الممولة وتقنيات الاستهداف الرقمي.

وهنا تبرز إشكالية أخرى تتعلق بمبدأ المساواة في الوصول إلى الناخبين.

فإذا استطاع حزب معين، بفضل موارده المالية والتنظيمية، أن يروج لبرنامجه ومرشحيه على نطاق واسع قبل انطلاق الحملة الرسمية، فإن ذلك قد يمنحه أفضلية زمنية وتواصلية على منافسين يلتزمون بالآجال القانونية.

ولا تتعلق المسألة فقط بعدد المنشورات، وإنما أيضًا بقدرتها على ترسيخ صورة المرشح والبرنامج في ذهن الناخب قبل بدء المنافسة الرسمية.

ثالثًا: هل يشكل الجمع بين المرشح والبرنامج قرينة على الدعاية الانتخابية؟

من أكثر الإشكالات تعقيدًا مسألة المنشورات التي تتضمن، في الوقت نفسه، الإشارة إلى الاستحقاق الانتخابي، والتعريف بالبرنامج، وتقديم مرشحين أو وكلاء لوائح.

فكل عنصر من هذه العناصر قد يكون مشروعًا في ذاته ضمن النشاط السياسي والحزبي. لكن اجتماعها في سياق زمني محدد قد يغير من طبيعة التكييف.

ومن هنا تبرز أهمية اعتماد مقاربة سياقية بدل الاقتصار على تحليل منشور واحد بمعزل عن بقية المنشورات.

فقد تكون هناك منشورات منفردة لا تتجاوز حدود التواصل السياسي، بينما يكشف تسلسل منشورات متقاربة زمنيًا عن استراتيجية تواصلية تستهدف التعريف المبكر بمرشحين وبرامج مرتبطة مباشرة باستحقاق انتخابي معين.

كما أن استعمال الإعلانات الممولة يضيف عنصرًا مهمًا إلى عملية التقييم، لأن الانتقال من النشر العضوي إلى الترويج المدفوع يوسع دائرة الاستهداف ويمنح الجهة الناشرة قدرة أكبر على التحكم في الجمهور الذي تصل إليه الرسالة السياسية.

ومع ذلك، فإن مجرد وجود تمويل للإعلان الرقمي لا يكفي، بمفرده، لإثبات قيام دعاية انتخابية سابقة لأوانها؛ إذ يظل الأمر مرتبطًا بمضمون الإعلان وسياقه وتوقيته وهدفه ومدى ارتباطه المباشر بالاستحقاق الانتخابي.

رابعًا: الدليل الرقمي أمام القضاء الانتخابي

أفرز التحول الرقمي نوعًا جديدًا من وسائل الإثبات في المنازعات الانتخابية.

فالمنشورات الإلكترونية، والصور، والفيديوهات، والروابط، وتواريخ النشر، والإعلانات الممولة، وبيانات الوصول والتفاعل، أصبحت جميعها عناصر يمكن أن تكون ذات أهمية في إثبات الوقائع محل النزاع.

غير أن القيمة الإثباتية لهذه العناصر تظل مرتبطة بسلامة توثيقها وإمكانية التحقق من مصدرها وتاريخها ومحتواها.

ومن هنا تبرز أهمية المعاينة الرسمية والتوثيق بواسطة المفوض القضائي عند الحاجة، بما يسمح بإثبات وجود المنشور ومضمونه وتاريخ نشره والرابط الإلكتروني المرتبط به، فضلًا عن حفظ الأدلة الرقمية من التغيير أو الحذف.

لكن من الضروري التمييز بين أمرين: إثبات وجود المنشور من جهة، وإثبات مخالفته للقواعد المنظمة للحملة الانتخابية من جهة أخرى.

فالأول مسألة إثبات مادي، بينما الثاني مسألة قانونية تتطلب تكييفًا قضائيًا يأخذ بعين الاعتبار طبيعة المحتوى وسياقه وتوقيته وأثره المحتمل على المنافسة الانتخابية.

خامسًا: ماذا أضاف القانون التنظيمي رقم 53.25 إلى النقاش؟

تكتسي التعديلات التشريعية الأخيرة أهمية خاصة بالنظر إلى التطور المتسارع لوسائل الاتصال السياسي، ولا سيما في البيئة الرقمية.

فلم تعد الحملات الانتخابية محصورة في التجمعات والخطب والمنشورات الورقية والملصقات، بل أصبح جزء كبير من التنافس السياسي يتم داخل منصات التواصل الاجتماعي.

وهذا الواقع يفرض على قواعد القانون الانتخابي أن تستوعب أساليب جديدة للتأثير في الناخبين، بما في ذلك الإعلانات الممولة، والاستهداف الرقمي، والمحتوى السياسي واسع الانتشار.

ومن ثم، فإن فعالية الإصلاح التشريعي لا تقاس فقط بمدى تشديد القواعد الزجرية، وإنما كذلك بمدى القدرة على تطبيقها عمليًا على السلوك الرقمي.

وهنا يبرز تحدٍّ مؤسساتي مهم: كيف يمكن للسلطات المختصة أن تتعامل بسرعة مع محتوى انتخابي رقمي قد ينتشر في ظرف ساعات، بينما قد تستغرق المساطر القضائية وقتًا أطول؟

إن حماية نزاهة المنافسة الانتخابية في العصر الرقمي تقتضي التفكير في آليات أكثر سرعة وفعالية للرصد والتوثيق والتفاعل مع المخالفات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية التعبير والتواصل السياسي وضمانات المحاكمة العادلة.

سادسًا: بين حرية التواصل السياسي ومنع السبق الانتخابي

لا ينبغي أن يقود تشديد الرقابة على الدعاية الانتخابية المبكرة إلى تضييق غير مبرر على النشاط السياسي للأحزاب.

فالديمقراطية لا تتوقف خلال الفترة السابقة للحملة الانتخابية، والأحزاب مطالبة باستمرار بالتواصل مع المواطنين والدفاع عن حصيلتها وتقديم رؤاها السياسية.

لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا التواصل إلى حملة انتخابية مقنعة تستعمل أدوات ووسائل قد تمنح فاعلًا سياسيًا أفضلية انتخابية قبل انطلاق الأجل القانوني المخصص لجميع المتنافسين.

ولهذا، فإن المعيار الأكثر اتزانًا هو البحث في الغاية الانتخابية للممارسة في سياقها الكامل، بدل تجريم كل خطاب سياسي يتضمن حديثًا عن البرامج أو الأشخاص.

خاتمة

تكشف الممارسات السياسية الرقمية المتزايدة عن وجود منطقة رمادية بين التواصل الحزبي المشروع والدعاية الانتخابية السابقة لأوانها.

وإذا كان من المشروع للأحزاب أن تواصل تأطير المواطنين والتعريف بمواقفها وبرامجها، فإن هذا الحق لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتحقيق أفضلية انتخابية خارج الأجل القانوني المقرر للحملة.

وفي المقابل، فإن إثبات الدعاية الانتخابية المبكرة لا ينبغي أن يقوم على الانطباع أو على مجرد وجود اسم مرشح أو برنامج في منشور، وإنما على قراءة قانونية وواقعية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار المحتوى والتوقيت والسياق والتكرار وطريقة الاستهداف والغاية الانتخابية المحتملة.

وتفرض هذه الإشكالية، في ضوء التحولات التشريعية الأخيرة، إعادة التفكير في حكامة الفضاء الرقمي الانتخابي، ليس فقط من خلال تشديد العقوبات، وإنما أيضًا عبر تطوير آليات الرصد والتوثيق والرقابة، بما يضمن التوازن بين حرية التواصل السياسي، ونزاهة المنافسة، وتكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين.

وفي نهاية المطاف، فإن التحدي الحقيقي أمام المشرع والسلطات المختصة والقضاء الانتخابي لا يتمثل في منع الأحزاب من التواصل مع المواطنين، وإنما في رسم خط قانوني واضح وموضوعي يفصل بين التواصل السياسي المشروع وبين الدعاية الانتخابية التي تستبق الأجل القانوني.

وهذا الخط سيكون أكثر أهمية في الاستحقاقات المقبلة، حيث لم يعد السباق الانتخابي يجري فقط في الساحات واللقاءات المباشرة، بل أصبح يجري أيضًا، وبقوة متزايدة، داخل خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي.

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.