Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

تحالف اليسار يرفض التصريح الحكومي: «الكرامة أولا» في مواجهة الوعود المؤجلة والتنصل من المسؤولية

في مداخلة قوية خلال مناقشة التصريح الحكومي، وجّهت المجموعة النيابية لتحالف اليسار انتقادات حادة للحكومة، مستحضرة حصيلة الولاية السابقة، ومشككة في جدية الوعود الاجتماعية والاقتصادية، ومعلنة رفضها للبرنامج الحكومي، مع التشبث ببديل سياسي واجتماعي عنوانه «الكرامة أولا».

في سياق مناقشة التصريح الحكومي، وضعت المجموعة النيابية لتحالف اليسار الحكومة الجديدة أمام مساءلة سياسية وأخلاقية، معتبرة أن شعار «تغيير المسار» لا يكفي لإقناع المغاربة بحدوث تحول حقيقي، ما دامت الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، بحسب المداخلة، امتدادا لسياسات الحكومة السابقة التي ساهمت في تعميق الغلاء، وتوسيع الفوارق الاجتماعية، وتغليب مصالح الرأسمال الريعي ولوبيات الاحتكار على حساب الطبقة الوسطى والفئات الكادحة.

واستهلت المجموعة مداخلتها بالتذكير بمسؤولية رئيسة الحكومة، باعتبارها شريكة في قرارات الولاية السابقة، عن تدبير اتسم، وفق تعبيرها، بتضارب المصالح والتزاوج بين المال والسلطة. كما اعتبرت أن ما أسمته «صاكّ طنجة»، إلى جانب إعفاء وزيرة بعد يومين من تعيينها، يشكلان مؤشرين على اختلالات سياسية وأخلاقية في بداية الولاية، ويطرحان أسئلة حول معايير اختيار المسؤولين ومدى احترام واجب التدقيق والكفاءة في تحمل المسؤولية الحكومية.

الإصلاح الدستوري والحقوق والحريات في صلب المساءلة

وأكدت المجموعة أن أي حديث عن دورة تنموية جديدة يظل ناقصا ما لم يقترن بإصلاح سياسي ودستوري عميق، ينقل البلاد نحو ملكية برلمانية، ويضمن الفصل الفعلي بين السلط، ويعزز استقلال القضاء، ويربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي مجال حقوق الإنسان، انتقدت المداخلة غياب أي إشارة صريحة إلى المعتقلين السياسيين، معلنة عزم المجموعة إعادة تقديم مقترح عفو عام شامل يشمل معتقلي حراك الريف وشباب «جيل Z»، وسائر المعتقلين السياسيين والصحفيين والمدونين والنقابيين والحقوقيين، إلى جانب المطالبة بوقف المتابعات الكيدية وجبر الضرر.

كما شددت على ضرورة استرجاع سبتة ومليلية والجزر والثغور المحتلة، وإطلاق برنامج استعجالي لتنمية المناطق الحدودية، مع إشراك البرلمان والقوى السياسية في مناقشة تنزيل الحكم الذاتي، مؤكدة أن الوحدة الترابية مبدأ سيادي راسخ.

وتوقفت المداخلة عند ضرورة الإنصاف الفعلي للأمازيغية، بما يتجاوز الاعتراف الرمزي نحو إدماجها في السياسات العمومية، كما دعت إلى ضمان المشاركة السياسية لمغاربة العالم وتمثيلهم المؤسساتي، وعدم اختزالهم في التحويلات المالية.

وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، انتقدت المجموعة صمت التصريح الحكومي عن التطبيع، ودعت إلى تجريمه وإلغاء الاتفاقيات مع إسرائيل، والانتصار لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

خمسة اختبارات لقياس جدية البرنامج الحكومي

واعتبرت المجموعة أن أخطر ما يتضمنه التصريح الحكومي هو ربط تنفيذ الالتزامات بما وصفته «الواقعية التنفيذية واستدامة المالية العمومية»، معتبرة أن هذا التوجه قد يتحول إلى تنصل مسبق من الوعود. ولهذا وضعت البرنامج الحكومي أمام خمسة اختبارات أساسية ترتبط مباشرة بأولويات المغاربة.

أولا: اختبار التشغيل. انتقدت غياب أرقام واضحة بشأن إحداث مناصب الشغل وخفض البطالة، رغم الوعود الانتخابية لمكونات الأغلبية بإحداث مليون منصب شغل وتقليص البطالة إلى 7 في المائة بحلول سنة 2031. كما شددت على أن التكوين والتجربة المهنية لا يعوضان توفير فرص عمل مستقرة وعقود شغل حقيقية.

ثانيا: اختبار القدرة الشرائية. سجلت المداخلة تراجعا، بحسب قراءتها، عن وعود مجانية الكهرباء التلقائية دون شروط، وإعفاء الأجور التي تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة، وضمان معاش لا يقل عن 3000 درهم. وانتقدت تأجيل الالتزامات الاجتماعية إلى مراحل لاحقة، وغياب إجراءات واضحة بشأن أسعار المحروقات وتسقيفها وإعادة تشغيل مصفاة «سامير»، في وقت تتواصل فيه معاناة الأسر مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

ثالثا: اختبار الصحة والتعليم. نبهت المجموعة إلى تردي الخدمات الصحية والتعليمية، والخصاص في الموارد البشرية، وما اعتبرته اختلالا في توزيع الإنفاق الصحي لصالح القطاع الخاص. وطالبت بضمان مجانية العلاج والتعليم والجامعة، والرفع من منح الطلبة، وتعزيز تمويل البحث العلمي.

رابعا: اختبار العدالة الجبائية. تساءلت المداخلة عن الجهات التي ستتحمل كلفة تمويل الالتزامات الحكومية، في ظل الرهان على النمو وتوسيع الوعاء الضريبي، مقابل غياب إجراءات واضحة لفرض الضرائب على الثروات الكبرى والريع وأرباح الاحتكار. ودعت إلى اعتماد ضريبة تصاعدية على الثروة، وتضريب كبار الفلاحين، ومحاربة التهرب الضريبي، بما يضمن تمويلا عادلا للحماية الاجتماعية.

خامسا: اختبار المحاسبة. طالبت المجموعة الحكومة بتحديد آجال ومؤشرات دقيقة لتقييم تنفيذ التزاماتها، وانتقدت التناقض بين الوعود بتجريم الإثراء غير المشروع ومواقف وزير العدل بشأن هذا الملف. وشددت على أن محاربة الفساد لا يمكن أن تتحقق دون آليات قانونية ومؤسساتية تضمن المحاسبة الفعلية.

«الكرامة أولا»: بديل سياسي واجتماعي

وفي مقابل انتقاداتها للتصريح الحكومي، قدمت المجموعة النيابية لتحالف اليسار برنامج «الكرامة أولا» باعتباره بديلا يستهدف تحويل الوعود إلى حقوق ملموسة، انطلاقا من إصلاح سياسي ودستوري يضمن حكومة منبثقة عن صناديق الاقتراع، كاملة الصلاحيات، ومسؤولة أمام البرلمان، ومؤسسة تشريعية تضطلع بأدوارها في التشريع والمراقبة والمساءلة.

كما دعت إلى إحداث هيئة مستقلة للانتخابات، وسن قانون يجرّم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وتعديل قانون المحاماة بما يحفظ استقلال الدفاع وحقوق المتقاضين.

وشمل البرنامج أيضا الدفاع عن حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة في الولوجيات والتعليم والشغل والعيش الكريم، وإصلاح عادل لمنظومة التقاعد، لا يقوم على رفع سن التقاعد أو تقليص المعاشات، فضلا عن تحقيق المساواة الفعلية والمناصفة في مواقع القرار.

وعلى المستوى الاقتصادي، حذرت المجموعة من استنزاف الفرشات المائية بفعل الزراعات التصديرية، على حساب الأمن الغذائي ومياه الشرب، مؤكدة أن السيادة الطاقية تقتضي إعادة تشغيل «سامير»، وأن تقليص العجز التجاري يمر عبر تعزيز الإنتاج الوطني وتلبية حاجيات السوق الداخلية.

رفض التصريح ومواصلة الرقابة

واختتمت المجموعة مداخلتها بالتأكيد أن مسؤولية الحكومة لا تُقاس بالشعارات، بل بمدى قدرتها على الإجابة عن الاختبارات الخمسة المرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والعدالة الجبائية والمحاسبة.

وبناء على ما اعتبرته غيابا لإجابات واضحة عن هذه الأولويات، أعلنت المجموعة النيابية لتحالف اليسار تصويتها ضد البرنامج الحكومي، مؤكدة عزمها ممارسة صلاحياتها الرقابية والترافع عن مضامين برنامج «الكرامة أولا»، تحت شعار: «كرامة المغاربة أولوية».

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.