
ذاكرة لا تُصادَر.. حين يكتب عبد المجيد طعام رواية الذاكرة المقاومة
حدث ثقافي فاخر من قلب وجدة من الصحافة إلى الرواية بمسار كاتب لا يُصادر. رواية تبدأ من سوق النخاسة لتصل إلى قلب الحاضر..لهذا ليست “ذاكرة لا تُصادَر” رواية لتُقرأ فقط، بل لتُعاش، لتوجع، لتوقظ.
إعداد : عبد الرحيم باريج
ليس من السهل أن يعود كاتب بعد أكثر من ثلاثين عاما من الكتابة الصحفية والأدبية ليقول إنه لا يزال يبدأ. لكن الأستاذ الروائي الكبير عبد المجيد طعام فعلها. بصدور روايته الجديدة “ذاكرة لا تُصادَر” عن مطبعة زيري للطباعة والنشر، يضع طعام لبنة جديدة في مسار أدبي وفكري رصين، ويؤكد أن الكاتب الحقيقي لا يتقاعد، بل تزداد ذاكرته اتقادا.
إنها ليست مجرد رواية جديدة تضاف إلى رفوف المكتبة العربية، إنها بيان أدبي.
يعرف القارئ الوجدي والمغربي الأستاذ عبد المجيد طعام قاصا وكاتبا ومترجما، وصحفيا لأكثر من ثلاثة عقود، حاصلا على الإجازة في اللغة العربية وآدابها، من مواليد 1958، رجل خبر الكلمة في أطوارها كلها: الخبر، والمقال، والقصة، والترجمة، والمسرح.
قرأنا له مجموعته القصصية التي احتفى بها النقاد، وترجماته الدقيقة لكبار الأدب العالمي مثل إيطالو كالفينو، وكتابه الفكري المرجعي “أسطورة الخلق – سفر في الميثولوجيا”، وروايته الفلسفية الأخيرة **”ظلال ثيسيوس – سيرة حب ممنوع” التي جسرت بين الفلسفة والأدب وساءلت الهوية والحب والحرية، ثم مسرحيته الوجودية “النفق” التي مزجت بين فلسفة العبث وسلطة الذكاء الاصطناعي وعُرضت مؤخرا في المركز الثقافي إكليل بوجدة.
هذا التنوع ليس تشتتا، بل هو سيرة كاتب يرفض أن يُحبس في جنس واحد. الصحفي علمه دقة المعلومة، والمترجم علمه أمانة الروح، والقاص علمه كيف يلتقط اللحظة الخاطفة. وكل هذا اجتمع اليوم في “ذاكرة لا تُصادَر”.
تأخذنا الرواية، كما يقول مؤلفها، إلى عالم قلما يُروى، عالم تختلط فيه الأقدار بالسلطة، وتُباع فيه الأرواح كما تُباع البضائع في سوق النخاسة.
لكن ذ.عبد المجيد طعام لا يكتب تاريخ العبودية ليبكي على الماضي. بطلته امرأة تعيش رحلة كاملة من الطفولة المسلوبة إلى الوعي والمقاومة. القيد الذي نراه مكسورا على غلاف الرواية البديع – بذلك الرسم التكعيبي المعبر عن وجهين، وجه يواجه وطيف يهرب، ومدينة بأقواسها تحت الشمس – هو قيد الذاكرة الذي انكسر قبل قيد الجسد.
وهنا يكمن الفخامة الفكرية للعمل، كما يشرحها طعام نفسه:
“لا أتعامل مع التاريخ باعتباره زمنا مغلقا ينتمي إلى الماضي، وإنما أراه حاضرا في وعينا، وفي الطريقة التي نفهم بها أنفسنا والعالم من حولنا. التاريخ ليس غاية الرواية، إنه إطار تتقاطع داخله أسئلة السلطة والذاكرة والهوية والحرية”
“ذاكرة لا تُصادَر” لا تقدم التاريخ كإجابة جاهزة، بل تضعه كسؤال مفتوح: من يملك حق الكتابة؟ ماذا يحدث حين تصبح الذاكرة موضوعا للصراع؟ كيف يستعيد الإنسان وعيه دون أن يتحول إلى أسير لماضيه؟.
إنها رواية عن الإنسان حين يرفض أن تُصادر ذاكرته لأنه يدرك أن ذاكرته هي هويته.
صفعة على وجه النسيان
بلغة مشوقة تشد الأنفاس، وبسرد بصري يجعلك ترى المشاهد كشريط سينمائي كما عودنا طعام، تضيء الرواية جانبا مظلما طالما حاولنا طمسه، وتعيد إلينا الأسئلة التي لا تموت: أين الحرية؟ أين الكرامة؟
لهذا ليست “ذاكرة لا تُصادَر” رواية لتُقرأ فقط، بل لتُعاش، لتوجع، لتوقظ.
ألف مبروك للأستاذ الكبير عبد المجيد طعام. مسار صحفي وأدبي نظيف ومستمر لأكثر من ثلاثين عاما، يُتوج اليوم بعمل سيكون بلا شك علامة فارقة في الرواية المغربية والعربية المعاصرة. وهو إهداء فاخر لمدينة وجدة التي أنجبت وترعى هذا القلم الذي لا يُصادر.