Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

العدالة بين الامتيازات الطبقية ومعاناة البسطاء: من ينصف تجار «مارشي القدس» بتيزنيت؟

حين تتحول القدرة على الوصول إلى القضاء وانتزاع التعويضات إلى مصدر تساؤل حول تكافؤ الفرص، يصبح الإنصاف الحقيقي رهيناً بمدى قدرة المؤسسات على ضمان الحقوق للجميع، دون تمييز بين أصحاب النفوذ وصغار التجار.

في سياق متابعة ملف نحو 200 تاجر تضرروا جراء حريق «مارشي القدس» بمدينة تيزنيت، وأمام ما يصفه المتضررون ببطء المساطر الإدارية ومحدودية التدخلات الرامية إلى جبر الأضرار، تبرز مفارقة تستحق النقاش الجاد حول العدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون، ومدى قدرة الفئات الهشة على الوصول إلى القضاء وانتزاع حقوقها.

فكيف يمكن تفسير التفاوت في القدرة على سلوك المساطر القضائية بين فئات تمتلك الإمكانات المالية والاستشارية اللازمة لخوض نزاعات طويلة، وتجار صغار وجدوا أنفسهم، بعد كارثة الحريق، أمام خسائر مادية جسيمة والتزامات مالية متراكمة، في وقت لا يزال فيه مسار الإنصاف وجبر الضرر يثير الكثير من التساؤلات؟

إن النقاش هنا لا يتعلق بالتشكيك في حق أي مواطن، مهما كانت مكانته الاجتماعية أو الاقتصادية، في اللجوء إلى القضاء والمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به، بل يتعلق بطرح سؤال جوهري: هل يتمتع جميع المواطنين فعلياً بالقدرة نفسها على الوصول إلى العدالة والدفاع عن حقوقهم؟

ففي عهد الرئيس السابق لجماعة تيزنيت، إبراهيم بوغضن، وتحديداً سنة 2020، يُشار إلى تسجيل أكثر من 20 قضية رفعها شخص واحد من أعيان المدينة ضد المجلس الجماعي، للمطالبة بتعويضات مالية. كما يثير ملف الدعاوى المرتبطة بالمكتب الوطني للكهرباء، التي يقال إن بعض أعيان المدينة والفاعلين في المجال العقاري استفادوا بموجبها من تعويضات مهمة، تساؤلات بشأن الفوارق في الإمكانات المتاحة للأطراف المتنازعة، ومدى تكافؤ فرص الدفاع عن المصالح أمام المؤسسات.

وتظل هذه المعطيات، بما تتضمنه من أرقام وادعاءات، بحاجة إلى توثيق من خلال الأحكام القضائية والوثائق الرسمية، حتى يتسنى للرأي العام تكوين صورة دقيقة عن طبيعة هذه القضايا ونتائجها وأسس التعويضات المحكوم بها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا يبدو بعض الفاعلين أكثر قدرة على تعبئة الوسائل القانونية والاستعانة بالخبرة المتخصصة ومتابعة الملفات القضائية إلى نهايتها، بينما يجد التجار الصغار أنفسهم أمام صعوبات مالية وإدارية وقانونية قد تحول دون المطالبة بحقوقهم؟

إن الفوارق في القدرة على التقاضي لا تعني بالضرورة وجود تمييز في الأحكام القضائية، لكنها قد تعكس تفاوتاً اجتماعياً في الإمكانات التي تتيح للأفراد الوصول إلى العدالة. فالتقاضي يحتاج إلى موارد مالية، واستشارات قانونية، وخبرة في إعداد الملفات، وقدرة على تحمل طول المساطر وتكاليفها. وهي شروط لا تتوفر للجميع بالقدر نفسه.

وبالنسبة إلى متضرري «مارشي القدس»، فإن حجم المأساة لا يقاس فقط بما احترق من سلع وتجهيزات، بل أيضاً بما ترتب عن ذلك من اضطراب في مصادر الرزق، والتزامات تجارية وديون، ومخاوف من فقدان الاستقرار الاجتماعي لعدد من الأسر التي تعتمد على التجارة كمصدر أساسي للعيش.

ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل عن الإجراءات التي اتخذتها الجهات المعنية لمواكبة هؤلاء التجار، وعن مدى وضوح المسؤوليات المتعلقة بالمشروع، وعن التدابير التي جرى اتخاذها لتقييم الأضرار وتحديد المسؤوليات القانونية، فضلاً عن الآليات المتاحة أمام المتضررين للمطالبة بالتعويض وجبر الضرر.

كما أن مسؤولية المؤسسات لا ينبغي أن تقتصر على انتظار مبادرات الأفراد أو ترك كل متضرر يواجه مصيره منفرداً، بل تستدعي، في حدود الاختصاصات القانونية، توفير المعلومة، وتيسير الولوج إلى المساطر، والتواصل الواضح مع المتضررين، ودراسة إمكانات المواكبة القانونية والاجتماعية، بما يضمن ألا تتحول محدودية الإمكانات إلى عائق يحول دون ممارسة الحقوق.

إن المساواة أمام القانون ليست مجرد مبدأ دستوري معلن، بل هي مسؤولية مؤسساتية تقتضي أن تكون سبل الانتصاف متاحة فعلياً للجميع. فالعدالة لا تقاس فقط بوجود المحاكم وصدور الأحكام، وإنما أيضاً بقدرة المواطن، أياً كانت مكانته، على عرض قضيته والدفاع عنها والحصول على جواب قانوني منصف داخل آجال معقولة.

فهل تتحرك الجهات المعنية بتيزنيت لتوضيح مآل ملف متضرري «مارشي القدس»، والكشف عن التدابير المتخذة لجبر أضرارهم، وضمان مواكبتهم في سلوك المساطر القانونية؟

إن إنصاف هؤلاء التجار لا ينبغي أن يظل مجرد مطلب موسمي أو موضوعاً للتراشق بالاتهامات، بل يجب أن يتحول إلى ملف واضح المعالم، تُحدد فيه المسؤوليات بناءً على الوثائق والتحقيقات، وتُقيّم فيه الأضرار وفق معايير موضوعية، وتُفتح أمام المتضررين سبل قانونية فعلية للمطالبة بحقوقهم.

وفي النهاية، فإن الرهان الحقيقي ليس حرمان أي طرف من حقه في التقاضي أو التشكيك في أحكام القضاء، وإنما ضمان ألا يصبح المال والنفوذ والقدرة على تحمل تكاليف النزاع عوامل حاسمة في تحديد من يستطيع الدفاع عن حقه ومن يضطر إلى الصمت.

فالعدالة التي لا يستطيع البسيط الوصول إليها بسهولة تظل، في نظره، عدالة بعيدة المنال؛ والإنصاف الحقيقي يبدأ حين يشعر التاجر الصغير بأن حقه يستحق المتابعة والحماية بالقدر نفسه الذي تحظى به حقوق أصحاب الإمكانات والنفوذ.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.