
بقلم: يونس أكرشال – عضو حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي
تجري اليوم مناقشة مراجعة النظام الداخلي لمجلس النواب، وهي مناقشة قد تبدو، للوهلة الأولى، ذات طبيعة تقنية وإجرائية، مرتبطة بتدبير الجلسات واللجان وتوزيع الزمن البرلماني.
لكن النظام الداخلي للبرلمان ليس مجرد دفتر للمساطر. إنه، في جانب أساسي منه، تعبير عن ميزان القوى داخل المؤسسة التشريعية، وعن الكيفية التي تُمارس بها حقوق النواب والفرق والمجموعات، وعن حدود العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، بل وعن طبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
لذلك، فإن معركة مراجعة النظام الداخلي هي، قبل معركة المواقف حول القوانين والسياسات العمومية، معركة حول قواعد ممارسة هذه المواقف نفسها.
ومن هذا المنطلق، أضع بين أيدي الرفيقات والرفاق ثماني نقاط أراها جديرة بالحضور ضمن ورش مراجعة النظام الداخلي لمجلس النواب، باعتبارها مساهمة أولية على هامش النقاش الذي سيُحسم أساساً داخل الحزبين والمجموعة النيابية لتحالف اليسار، إلى جانب مقترحات وأفكار أخرى.
1. مراجعة احتساب الزمن المخصص للحكومة داخل المجلس
ينبغي إعادة النظر في المنطق المعتمد في احتساب الزمن المخصص للحكومة داخل مجلس النواب.
فالحكومة ليست مكوّناً موازياً للمجلس حتى يُتعامل مع الزمن المخصص لها وكأنه يقابل الزمن الإجمالي للمؤسسة التشريعية. فالسلطة التنفيذية تحضر أمام مجلس النواب ومجلس المستشارين معاً، وتمارس مسؤولياتها الرقابية أمام غرفتي البرلمان.
ومن ثم، فإن تنظيم الزمن البرلماني ينبغي أن يراعي، من جهة، الوزن الفعلي للحكومة وأغلبيتها داخل المجلس، ومن جهة أخرى، حق المعارضة والفرق والمجموعات في زمن كافٍ لممارسة وظائفها التشريعية والرقابية والتواصلية.
المطلوب هنا ليس تقليص حضور الحكومة، وإنما إعادة بناء معادلة زمنية أكثر توازناً بين الوظيفة التنفيذية والوظيفة التشريعية والرقابية.
2. ضمان انتظام الجلسة الشهرية لمساءلة رئيس الحكومة
ينبغي أن يتضمن النظام الداخلي مقتضيات أكثر وضوحاً بشأن انتظام الجلسات المخصصة للأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة والموجهة إلى رئيس الحكومة.
فالفصل 100 من الدستور ينص صراحة على تخصيص جلسة واحدة كل شهر لهذه الأسئلة، وعلى تقديم رئيس الحكومة أجوبته أمام المجلس المعني بالأمر.
وعليه، ينبغي أن يكون التنظيم الداخلي واضحاً في ضمان ممارسة هذه الآلية الرقابية داخل كل مجلس وفق الشروط الدستورية، وألا يؤدي تدبير الزمن أو التنسيق بين المؤسستين إلى إفراغ المقتضى الدستوري من مضمونه العملي.
وتزداد أهمية ذلك بالنظر إلى الاجتهاد الدستوري المرتبط بمقتضيات الجلسات الشهرية والأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة، بما يؤكد أن النظام الداخلي لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتقييد ممارسة الاختصاصات الرقابية التي أقرها الدستور.
فالغاية ليست فقط عقد جلسة في التقويم البرلماني، وإنما ضمان حق النواب في مساءلة رئيس الحكومة بصورة منتظمة وفعالة.
3. مراجعة قواعد الإخراج الفني والنقل التلفزي للجلسات العامة
إذا كانت الجلسة البرلمانية مفتوحة أمام الرأي العام، فإن الطريقة التي تُنقل بها هذه الجلسة تصبح جزءاً من عملية التواصل المؤسساتي.
لذلك، ينبغي أن يتضمن النظام الداخلي، أو القواعد المنظمة للبث، مقتضيات تضمن إخراجاً مهنياً ومتوازناً للجلسات العامة، يظهر النائب أثناء مداخلته ضمن السياق العام للنقاش المؤسساتي، وليس فقط في لقطة فردية معزولة.
وينبغي، في هذا الإطار، ضمان إظهار القاعة والمتدخل وسياق النقاش، وتفادي التأخر في إظهار النائب عند بداية مداخلته، أو الاقتصار على صورته طوال المداخلة دون إظهار تفاعل المؤسسة مع ما يجري.
فالإخراج التلفزي للجلسات ليس مجرد تفصيل تقني.
إنه جزء من الكيفية التي تصل بها المؤسسة البرلمانية إلى المواطن، ومن ثم ينبغي أن يخضع لمبادئ المهنية والحياد والتوازن.
4. إعادة النظر في القيود على اللافتات وأشكال الاحتجاج داخل المجلس
ينبغي فتح نقاش جدي حول المقتضيات التي تقيد بعض أشكال التعبير السياسي والاحتجاج السلمي داخل المجلس.
فالبرلمان ليس فضاءً إدارياً عادياً؛ إنه فضاء للمواجهة السياسية، وتعدد الآراء، والتعبير عن المواقف، بما في ذلك مواقف الاحتجاج والمعارضة.
وبالطبع، فإن ممارسة هذا الحق ينبغي أن تتم في إطار احترام النظام الداخلي وكرامة المؤسسة وسير أشغالها، لكن التنظيم لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإفراغ الاحتجاج البرلماني من مضمونه أو تحويل التعبير السياسي إلى ممارسة استثنائية محاصرة.
المطلوب هو التوفيق بين انتظام العمل البرلماني وحق النواب في التعبير السياسي، لا التضحية بأحدهما لفائدة الآخر.
5. حق الفرق والمجموعات في عقد ندوة صحفية عقب كل جلسة
ينبغي إقرار حق كل فريق أو مجموعة نيابية في عقد ندوة صحفية مباشرة عقب نهاية كل جلسة، سواء تعلق الأمر بجلسة تشريعية أو بجلسة للأسئلة الشفهية أو غيرها من الجلسات العامة.
فالعمل البرلماني لا ينتهي بانتهاء الجلسة.
هناك حاجة إلى أن تشرح الفرق والمجموعات مواقفها، وأن تقدم للرأي العام قراءتها لما جرى، وأن توضح تصويتها ومداخلاتها وملاحظاتها حول القضايا التي نوقشت.
ولا ينبغي أن يظل التواصل المؤسساتي محصوراً في نهاية الدورة التشريعية أو في مناسبات محددة.
إن التواصل الفوري مع الرأي العام جزء من الوظيفة السياسية للبرلمان، خصوصاً بالنسبة إلى المعارضة والمجموعات ذات الإمكانات المحدودة في الوصول إلى وسائل الإعلام.
6. تمكين النائب، وفق ضوابط واضحة، من رفع السرية عن مداخلته داخل اللجان
تطرح سرية أشغال اللجان الدائمة سؤالاً مهماً يتعلق بالتوازن بين حماية النقاش الداخلي وبين حق النائب في التواصل مع المواطنين حول مواقفه البرلمانية.
لذلك، ينبغي مراجعة المقتضيات المنظمة لسرية أشغال اللجان بما يسمح، وفق ضوابط دقيقة وواضحة، للنائب بالكشف عن مداخلته وموقفه الذي عبر عنه داخل اللجنة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضية ذات صلة مباشرة بالنقاش العمومي.
فالسرية يمكن أن تكون لها مبررات مرتبطة بطبيعة عمل اللجان، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى قاعدة مطلقة تمنع النائب من شرح مواقفه للناخبين والرأي العام.
المطلوب هو الانتقال من منطق السرية غير المرنة إلى منطق يوازن بين حماية النقاش الداخلي وحق المواطنين في معرفة مواقف ممثليهم.
7. إسقاط شرط العتبة المفروضة على تمثيلية المجموعات في مكاتب اللجان
ينبغي إعادة النظر في شرط بلوغ المجموعة النيابية نصف العدد المطلوب لتشكيل فريق نيابي حتى يكون لها ممثل في مكتب اللجنة الدائمة.
فإذا كانت الفرق والمجموعات النيابية أدوات أساسية لتنظيم المشاركة السياسية للنواب داخل المجلس، فإن التمثيلية داخل أجهزة اللجان ينبغي أن تعكس، قدر الإمكان، التمثيلية البرلمانية الفعلية.
إن وجود عتبة مرتفعة قد يؤدي عملياً إلى إقصاء مجموعات منتخبة وممثلة داخل المؤسسة التشريعية من مواقع تنظيم أشغال اللجان.
وهنا ينبغي أن يكون المبدأ واضحاً:
التمثيلية داخل البرلمان يجب ألا تنتهي عند باب اللجنة.
وإذا كان الهدف هو ضمان فعالية اللجان، فإن توسيع المشاركة والتمثيلية داخل مكاتبها يمكن أن يشكل مدخلاً لتعزيز تعددية النقاش وتكافؤ الفرص بين مختلف مكونات المجلس.
8. ضمان حق الفرق والمجموعات والنواب غير المنتسبين في النقل المباشر لأنشطتهم البرلمانية
ينبغي أخيراً إقرار حق الفرق والمجموعات النيابية، وكذلك النواب غير المنتسبين إلى فريق أو مجموعة، في الاستفادة من منصات مجلس النواب الرسمية لنقل أنشطتهم البرلمانية المفتوحة، بما في ذلك الأيام الدراسية والندوات الصحفية واللقاءات والأنشطة ذات الصلة بالعمل البرلماني.
فالمنصات الرسمية للمؤسسة البرلمانية ينبغي أن تكون فضاءً لتعدد الأصوات داخل المؤسسة، لا أن يقتصر حضورها على الجلسات العامة والأنشطة الرسمية ذات الطابع المؤسساتي الضيق.
ومن شأن هذا المقتضى أن يساهم في تحقيق قدر أكبر من المساواة في الولوج إلى وسائل التواصل المؤسساتي، خصوصاً بالنسبة إلى الفرق والمجموعات التي لا تتوفر على الإمكانات الإعلامية نفسها.
من قواعد التدبير إلى قواعد الديمقراطية البرلمانية
هذه النقاط الثماني لا أطرحها باعتبارها صيغة نهائية أو لائحة مغلقة، وإنما باعتبارها مساهمة في نقاش أوسع حول طبيعة النظام الداخلي الذي نريده لمجلس النواب.
فالمطلوب، في تقديري، ألا تنحصر مراجعة النظام الداخلي في إعادة ترتيب المواد أو تصحيح بعض الاختلالات التقنية، وإنما أن تكون مناسبة لإعادة التفكير في قواعد التوازن داخل المؤسسة التشريعية.
كيف نضمن للأغلبية حقها في تدبير المؤسسة؟
وكيف نحمي في الوقت نفسه الحقوق الدستورية والسياسية للمعارضة؟
كيف نضمن للحكومة حقها في تقديم برامجها والدفاع عنها، دون أن يتحول ذلك إلى هيمنة على الزمن البرلماني؟
كيف نجعل المواطن يرى ويسمع النقاش البرلماني كما هو، بكل تعدديته واختلافاته؟
وكيف نضمن للمجموعات الصغيرة والنائب غير المنتسب أن تكون لهما مساحة فعلية داخل المؤسسة، لا مجرد حضور عددي؟
هذه، في النهاية، ليست أسئلة تقنية.
إنها أسئلة تتعلق بجوهر التمثيل الديمقراطي.
فـالنظام الداخلي ليس مجرد قواعد لتنظيم البرلمان؛ إنه قواعد لتنظيم ممارسة الديمقراطية داخل البرلمان.
ومن هنا، فإن معركة مراجعة النظام الداخلي ينبغي أن تكون، قبل كل شيء، معركة من أجل توسيع فضاء المشاركة، وتعزيز الرقابة، وضمان تعددية التعبير، وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين السلط داخل المؤسسة التشريعية.
القواعد التي نضعها اليوم ستحدد، إلى حد كبير، طبيعة المعارك السياسية التي يمكن خوضها غداً.
ولهذا، فإن معركة القواعد تسبق، في كثير من الأحيان، معركة المواقف.