Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

الإيجابية المزيّفة… حين تتحول بعض الصفحات المحلية إلى أدوات لتلميع الفشل

في السنوات الأخيرة، ظهرت في الفضاء الرقمي المحلي صفحات ومواقع “مبتدئة” تقدم نفسها باعتبارها منصات إعلامية مستقلة أو مبادرات شبابية لنشر الأخبار والإيجابية. غير أن المتتبع المتأمل في مضمون منشوراتها وتعليقاتها يكتشف بسرعة أنها لا تمارس دور الإعلام ولا النقد، بل تؤدي وظيفة أخرى أكثر وضوحاً: تلميع صورة المنظومة السياسية المهيمنة محلياً وتبرير اختياراتها مهما كانت نتائجها.

هذه الصفحات لا تطرح الأسئلة الصعبة، ولا تفتح النقاش حول الاختلالات التي يعرفها تدبير الشأن المحلي، بل تكتفي بتكرار خطاب جاهز يقوم على الترويج لإنجازات مبالغ فيها، وتضخيم كل خطوة عادية باعتبارها “نجاحاً كبيراً”، مقابل الصمت التام عن الأخطاء والفشل في القرارات والسياسات المحلية.

والأكثر إثارة للانتباه أن هذه الصفحات ترفع شعار “الدفاع عن الإيجابية”، وكأن النقد الصادق أصبح جريمة، وكأن مساءلة المسؤولين نوع من التشاؤم أو العرقلة. والحقيقة أن هذه الإيجابية المزعومة ليست سوى ستار لغوي لإخفاء العجز السياسي وتبرير الرداءة التدبيرية. فالإيجابية الحقيقية لا تعني التغاضي عن الأخطاء، بل تعني القدرة على الاعتراف بها وتصحيحها.

لكن ما يجري اليوم هو العكس تماماً. فكل من يطرح سؤالاً أو ينتقد قراراً يصبح في نظر هذه الصفحات “عدواً للتنمية”، بينما يتحول المدافعون عن الوضع القائم إلى حراس مزعومين للمصلحة العامة. وهكذا يتم قلب المعادلة: النقد يصبح تهمة، والتبرير يصبح فضيلة.

الأخطر من ذلك أن هذه الصفحات لا تمارس دور الإعلام الحر، بل تبدو في كثير من الأحيان وكأنها امتداد غير رسمي للمنظومة السياسية نفسها؛ تعيد نشر نفس الخطاب، وتدافع عن نفس المواقف، وتهاجم نفس الأصوات. وكأننا أمام محاولة لصناعة رأي عام افتراضي يوحي بوجود إجماع حول قرارات لا تحظى في الواقع بذلك الإجماع.

إن المجتمعات التي تحترم نفسها لا تخاف من النقد، لأن النقد هو شرط الإصلاح. أما حين يتحول الفضاء الرقمي إلى مساحة لتلميع الصورة وتغطية الأعطاب، فإن النتيجة تكون تكريس ثقافة التبرير بدل ثقافة المساءلة. لذلك فالمشكل الحقيقي ليس في وجود صفحات مؤيدة لهذا الطرف أو ذاك، فذلك جزء طبيعي من التعددية. المشكلة تكمن في محاولة تسويق الدعاية السياسية على أنها إعلام، وتقديم التبرير على أنه إيجابية، وتلميع الفشل على أنه إنجاز.

في النهاية، قد تنجح هذه الصفحات لبعض الوقت في خلق ضجيج رقمي أو صناعة صورة وردية مصطنعة، لكنها لن تستطيع تغيير حقيقة بسيطة: الواقع على الأرض لا يُجمَّل بالمنشورات، ولا تُخفى أعطابه فالشعارات.فالتنمية لا تحتاج إلى جيوش من المعلقين الرقميين، بل تحتاج إلى جرأة في النقد، وصدق في التقييم، ومسؤولية في القرار. وكل ما عدا ذلك ليس سوى محاولة جديدة لإعادة إنتاج نفس الوحل السياسي… ولكن بواجهة رقمية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.