
سوس ماسة: ثروة سياحية بلا رؤية… من يدير القطاع خارج منطق التنمية؟
بقلم مولاي مصطفى النقراوي
رغم ما تزخر به جهة سوس ماسة من مؤهلات طبيعية وثقافية نادرة، ما تزال السياحة بالجهة عاجزة عن لعب دورها الحقيقي كرافعة للتنمية المستدامة والعدالة الترابية. فبين بحر غني، وجبل فريد، ومدن عتيقة ضاربة في التاريخ، تبدو الجهة اليوم وجهة بلا مشروع، وسياحة بلا رؤية واضحة.
مؤهلات استثنائية… ونتائج محدودة
تمتلك جهة سوس ماسة واحدة من أغنى الخرائط السياحية بالمغرب:
واجهة بحرية تمتد من أكادير إلى تغازوت، مجال جبلي متنوع بالأطلس الصغير، واحات ومحميات طبيعية، ومدينتان عتيقتان لهما رمزية تاريخية وثقافية كبيرة هما تزنيت وتارودانت، إضافة إلى هوية أمازيغية حية وحرف تقليدية ذات قيمة عالمية.
غير أن هذه الثروة لم تنعكس على مستوى العرض السياحي ولا على توزيع عائداته، حيث ما تزال السياحة مركزة بشكل شبه كلي على الساحل، بينما يظل المجال الداخلي مهمشًا، ضعيف التجهيز، وغائبًا عن الخريطة الترويجية.
مدن عتيقة خارج اللعبة السياحية
تزنيت وتارودانت، رغم مكانتهما التاريخية، لا تتجاوزان في الغالب دور “محطات عابرة”.
غياب مسارات تراثية مهيكلة، ضعف التأويل الثقافي، تهميش الحرف التقليدية، وانعدام عروض غامرة داخل المدينتين، كلها عوامل جعلت المدينتين خارج المنافسة السياحية الحقيقية.
فكيف يمكن الحديث عن سياحة ثقافية دون منتوج واضح؟ وكيف يمكن بناء علامة ترابية دون تثمين الذاكرة والهوية؟
بين البحر والجبل… مسار ضائع
ترفع المؤسسات السياحية شعار “البحر – الجبل – المدينة العتيقة”، لكن هذا الشعار لم يتحول بعد إلى منتوج فعلي.
لا طرق سياحية واضحة، لا مسارات مهيأة، لا شبكة إقامات مندمجة في الطبيعة، ولا عروض سياحة قروية أو بيئية منظمة. الجبل، بما يحمله من إمكانات بيئية وسياحية، ما يزال “عملاقًا نائمًا”، في ظل غياب رؤية ترابية وشراكات حقيقية مع الساكنة المحلية.
أزمة حكامة: حين تُختطف السياحة من طرف السياسوية
أخطر ما يعيق تطور السياحة بجهة سوس ماسة ليس فقط ضعف الاستثمار أو البنية التحتية، بل إشكالية الحكامة. فالقطاع السياحي يعاني من: تدخل مفرط للمنتخبين في توجيه القرارات؛ هيمنة منطق الحسابات السياسية والانتخابية؛ احتكار التمثيلية داخل المجالس السياحية؛ إقصاء المهنيين الحقيقيين والخبراء البيئيين؛ تهميش المجتمع المدني الجاد لصالح شبكات المصالح. الاستثمار السياسي المحدود
هذا الوضع خلق شبه تحكم سياسوي في شبكات السياحة، أفرغ المؤسسات من دورها الاستراتيجي، وحوّل القطاع إلى مجال تدبير مناسباتي استعراضي، لا مشروع تنموي بعيد المدى.
سياحة بلا علامة… وبلا سردية
إلى اليوم، لم تنجح جهة سوس ماسة في بناء علامة سياحية موحدة. الجهة تُسوّق كصور متفرقة ومتناثرة : شاطئ هنا، جبل هناك، مهرجان عابر، دون سردية جامعة تعكس روح المجال. والنتيجة واضحة: سياحة عبور، إقامة قصيرة، وعائد اقتصادي محدود على النسيج التعاوني و الساكنة.
ما هو المطلوب اليوم؟
إنقاذ السياحة بسوس ماسة يمر عبر: تحرير القطاع من الهيمنة السياسوية؛ فتح نقاش عام وعمومي حقيقي مع مهني القطاع القطاع السياحي ؛ إشراك المجتمع المدني البيئي كفاعل خبير لا كواجهة؛ بناء عرض سياحي مندمج حول البحر، الجبل، والمدن العتيقة؛ دعم الفاعلين المحليين والتعاونيات؛ إرساء حكامة شفافة قائمة على الكفاءة لا الولاء.
الخلاصة: سوس ماسة تحتاج مشروعًا لا شعارات
سوس ماسة لا تعاني من فقر في المؤهلات، بل من فقر في الرؤية. ولا تحتاج إلى مزيد من الندوات والأيام الدراسية والصور الترويجية، بل إلى مشروع ترابي شجاع يعيد للسياحة معناها التنموي والإنساني. عندما تتحول السياحة من أداة سياسية إلى خيار استراتيجي تشاركي، ستصبح سوس ماسة وجهة إقامة حقيقية، لا مجرد محطة عابرة على خريطة المغرب السياحية.