Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

ملاعب القرب بتيزنيت: من منطق التسليع إلى الحق في الرياضة للجميع

بقلم سعيد رحم، فاعل مدني مهتم بقضايا البيئة والتهيئة الحضرية والتنمية المحلية.

بينما صادقت جماعة تيزنيت مؤخراً على النظام الداخلي للمنتزه الرياضي والترفيهي، وأبدت استعدادها لفتح ملاعب القرب التي تم تأهيلها، يظل السؤال الجوهري مطروحاً بإلحاح: أي نموذج للتدبير نريد لهذه الفضاءات؟ هل نريد تدبيراً يعيد إنتاج الإقصاء الاجتماعي ومنطق التسليع، أم تدبيراً اجتماعياً وحقوقياً يجعل الرياضة حقاً فعلياً ومتاحاً للجميع؟

هذا السؤال يكتسب اليوم أهمية خاصة في ظل ما شهدته المدينة خلال ما أصبح يُعرف بـ”ثلاثاء جيل Z”، حيث حملت احتجاجات القاصرين رسائل متعددة حول الإقصاء الاجتماعي، وغياب العدالة المجالية بين أحياء المدينة، واستمرار التفاوتات الاجتماعية. ومن بين أبرز التعبيرات عن هذا الاحتقان الشعور المتزايد بحرمان فئات واسعة من الأطفال والشباب من الولوج الحر إلى ملاعب القرب التي أُنشئت أصلاً لخدمة الساكنة، قبل أن تتحول في كثير من الأحيان إلى فضاءات مسيجة ومؤدى عنها.

إن تدبير ملاعب القرب بتيزنيت في صيغته الحالية يطرح إشكالات اجتماعية حقيقية. فبدل أن تكون هذه الفضاءات العمومية مفتوحة أمام الجميع، أصبحت في حالات عديدة خاضعة لاحتكار جمعيات أو شبكات تدبير محدودة، بما ينتج عنه تمييز غير مباشر بين المواطنين وفق أوضاعهم الاجتماعية أو قدرتهم على الأداء. والنتيجة أن أطفال الأحياء الشعبية والمراهقون والفئات الهشة يجدون أنفسهم محرومين من أبسط حقوقهم في اللعب وممارسة الرياضة داخل مرافق ممولة من المال العام.

من هذا المنطلق، يبدو ضرورياً فتح نقاش عمومي حول تصور بديل لتدبير هذه الفضاءات، يقوم على اعتبار الرياضة خدمة عمومية ذات بعد اجتماعي وحقوقي، لا سلعة تخضع لمنطق الربح. تصور يجعل الرياضة شعبية ونسوية وإيكولوجية في آن واحد: شعبية عبر ضمان مجانية الولوج إلى ملاعب القرب، ونسوية عبر إزالة الحواجز التي تحد من مشاركة الفتيات، وإيكولوجية عبر اعتماد حلول مستدامة في الإنارة والصيانة والتجهيز.

إن الملاعب الرياضية داخل الأحياء يجب أن تُعامل باعتبارها جزءاً من المرافق العمومية الأساسية، تماماً كما هو الشأن بالنسبة للحدائق والساحات العمومية. فهي فضاءات لإنتاج الاندماج الاجتماعي، وتعزيز الصحة الجسدية والنفسية، والوقاية من مختلف مظاهر الهشاشة والانحراف، وليست مجرد مشاريع يمكن إخضاعها لقوانين السوق.

وفي هذا الإطار، تبرز مجموعة من الإجراءات العملية القابلة للتنفيذ، من بينها فتح ملاعب القرب بشكل مجاني ومنظم، وتعزيز آليات المراقبة والتتبع لضمان استفادة الجميع منها، وتوفير مؤطرين ومؤطرات رياضيين داخل الأحياء لتأطير الأطفال والشباب واكتشاف المواهب المحلية. كما يمكن التفكير في إحداث مدارس بلدية لكرة القدم وغيرها من الرياضات تحت إشراف الجماعة، تعمل بشكل تكاملي مع الجمعيات الرياضية القاعدية، وتوفر تكويناً مجانياً للفتيان والفتيات، إلى جانب تنظيم دوريات رياضية بين الأحياء.

كما يقتضي هذا التوجه إعادة توجيه الدعم العمومي نحو الجمعيات التي تدمج البعد الاجتماعي في برامجها، وتلتزم بفتح أنشطتها أمام أطفال الأحياء الشعبية والفئات الهشة، وتنظم برامج رياضية وتربوية مجانية ذات أثر مجتمعي واضح.

إن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بتدبير ملاعب رياضية، بل يتعلق بإعادة الاعتبار لحق الأطفال والشباب في المدينة، وفي الفضاء العمومي، وفي ممارسة الرياضة دون تمييز. فكل درهم يُستثمر في تعميم الولوج إلى الرياضة هو استثمار في التماسك الاجتماعي، وفي الصحة، وفي المواطنة.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، فإن القوى السياسية والمدنية مطالبة بتقديم تصورات واضحة في هذا المجال. ومن يضع الحق في الرياضة المجانية والعدالة المجالية في صلب برنامجه، سيكون قد قدم جواباً عملياً على أحد أكثر الانتظارات الاجتماعية إلحاحاً داخل المدينة.

فالرياضة ليست امتيازاً لمن يستطيع الأداء، بل حق للجميع.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.