
غرونوبل ليست صورة تذكارية.. بل درس في معنى السياسة المحلية
بقلم: سعيد رحم ،فاعل مدني ومهتم بالشأن المحلي
في شتنبر 2025، برز اسم لورانس روفان بقوة في المشهد السياسي المحلي بمدينة غرونوبل الفرنسية، بعدما اقترحها تحالف يضم الخضر والشيوعيين كمرشحة توافقية لقيادة المدينة. وبعد أسابيع قليلة فقط، حققت ما بدا للكثيرين إنجازا سياسيا صعب المنال، حين نجحت في استقطاب الحزب الاشتراكي إلى التحالف، منهية بذلك قطيعة سياسية استمرت قرابة ثمانية عشر عاما بين الخضر والاشتراكيين.
العمدة الجديدة لم تخف رؤيتها منذ البداية. فقد أعلنت بوضوح أن مهمتها تقوم على الإنصات والصرامة وخدمة السكان، واضعة التعاون والحماية والابتكار في صدارة أولوياتها. كما أكدت في أكثر من مناسبة أن غرونوبل، المدينة ذات التاريخ الطويل في المقاومة، مطالبة اليوم بمواصلة مقاومة الفساد والعنصرية والاختلالات المناخية، وبناء نموذج حضري أكثر تضامنا وانفتاحا وعدالة.
هذه السيدة التي يلتقي بها وفد جماعة تيزنيت خلال زيارته الحالية ليست نتاج صدفة سياسية أو تمثيلية شكلية. إنها مسؤولة منتخبة تحمل تصورا واضحا للعمل العمومي، تعتبر التعاون أداة للحكم، والمقاومة منهجا للعمل، والابتكار ضرورة لمواجهة تحديات المدينة المعاصرة.
ومن هنا تأتي ملاحظة شخصية لا بد من التعبير عنها بصراحة. لقد تابعت زيارة الوفد التيزنيتي إلى غرونوبل باهتمام، لكن كثيرا من الصور والمنشورات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي أعادت إنتاج الصورة التقليدية للزيارات الخارجية باعتبارها مجرد مناسبة لالتقاط الصور أمام المباني والساحات والحدائق. بعض المقالات والانطباعات المنشورة ذهبت أيضا في اتجاه الاحتفاء الشكلي بفكرة التوأمة أو الحديث الرومانسي عن جسور التعاون، دون محاولة حقيقية لفهم الخلفية السياسية والفكرية للتجربة التي تقودها المدينة اليوم.
الزيارة مهمة دون شك، واتفاقية التعاون تحمل إمكانات واعدة، غير أن قيمة هذه الزيارة لا تكمن في الصور التذكارية، بل في القدرة على استيعاب ما تمثله غرونوبل باعتبارها مختبرا حقيقيا للسياسات العمومية المحلية.
يكفي أن نعلم أن المدينة تدير مطبخا مركزيا ينتج أكثر من عشرة آلاف وجبة يوميا لفائدة التلاميذ وكبار السن ودور الرعاية. والأهم من العدد أن أكثر من نصف المنتجات المستعملة عضوية، وأن الوجبات النباتية أصبحت جزءا من العرض اليومي العادي. هنا لا ينظر إلى الغذاء باعتباره خدمة ثانوية، بل باعتباره قضية سيادية مرتبطة بالصحة والعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية.
وفي مجال الرياضة والخدمات العمومية، لا ينظر إلى المسبح باعتباره مرفقا ترفيهيا يمكن إغلاقه لسنوات دون مساءلة. فمدينة غرونوبل تعتبر السباحة خدمة عمومية، وتعتبر الحق في الانتعاش خلال موجات الحر جزءا من الحق في المدينة. لهذا تم توسيع فترات عمل مسبح “جان برون”، وربطه بشبكات الطاقات المتجددة، ليستفيد منه عشرات الآلاف من السكان، خاصة الأطفال والأسر التي لا تغادر المدينة خلال العطل.
أما في مواجهة الجريمة، فقد طورت البلدية مقاربة تقوم على ما تصفه العمدة بـ”السير على قدمين”: الردع الأمني المباشر من جهة، والعمل الاجتماعي والوقائي من جهة أخرى. إنها مقاربة تعترف بأن الأمن شأن محلي أيضا، وأن الجماعات الترابية ليست مجرد متفرج على المشاكل التي تواجه المواطنين.
وعلى المستوى البيئي، تعمل غرونوبل على تحويل نفسها إلى ما يشبه “الإسفنجة الخضراء”. الهدف المعلن هو ألا يبتعد أي فضاء أخضر عن أي مواطن أكثر من خمس دقائق سيرا على الأقدام. مواقف السيارات تتحول إلى حدائق، والشوارع تكتسب مزيدا من الظل عبر الأشجار، والنوافير وبخاخات المياه تنتشر في الأحياء، والمتاحف تفتح أبوابها كملاجئ باردة خلال فترات الحر الشديد.
الفكرة الأساسية هنا أن التكيف مع التغيرات المناخية لا يقتصر على غرس الأشجار، بل يشمل إعادة تصميم الفضاء العمومي ليظل قابلا للحياة والنشاط خلال أشهر الصيف. فالمدينة التي توفر الظل والماء والراحة لسكانها تضمن استمرارية الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخل شوارعها وساحاتها.
كما تتميز غرونوبل بجرأة سياسية في معالجة القضايا الاجتماعية الحساسة. فهي تنظم لقاءات وندوات حول الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية وكل أشكال التمييز، لكنها لا تكتفي بالخطاب الرمزي. فالمدينة تساهم في تمويل مراكز إيواء المشردين، وتدعم مشاريع السكن الاجتماعي، وتضغط على الدولة المركزية لتحمل مسؤولياتها تجاه الأسر الهشة.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل التجربة: الحق في السكن ليس شعارا انتخابيا، بل أولوية سياسية تستحق المواجهة المؤسساتية مع الدولة عندما تقتضي الضرورة ذلك.
لذلك، فإن غرونوبل التي زارها وفد جماعة تيزنيت ليست مجرد مدينة أوروبية جميلة تصلح لالتقاط الصور. إنها تجربة سياسية متكاملة، تختبر يوميا حدود الجرأة في تدبير الشأن المحلي. مدينة تحول الغذاء إلى قضية سيادة، والسباحة إلى خدمة عمومية، والحديقة إلى أداة لمواجهة العزلة والتغير المناخي، والسكن إلى معركة من أجل الكرامة الإنسانية.
إن الدرس الحقيقي الذي يمكن استخلاصه من هذه الزيارة ليس في عدد الصور الملتقطة ولا في عبارات المجاملة المتبادلة، بل في فهم أن السياسة المحلية يمكن أن تكون فعلا خدمة عمومية نبيلة، قائمة على الأفكار والرؤية والشجاعة والالتزام بالمصلحة العامة.
تلك هي غرونوبل التي تستحق أن تُقرأ قبل أن تُصوَّر.