
حين تصبح صرخات المجتمع المدني بلا صدى: الجبال المنسية وسياسات الإنكار الصامت
بقلم مولاي مصطفى النقراوي
في المغرب العميق، حيث تتكسر الطرق على سفوح الجبال، وتتحول أبسط المطالب الاجتماعية إلى معارك يومية من أجل البقاء، تتكرر مفارقة تثير الاستغراب والقلق معاً: عشرات المراسلات التي يبعثها المجتمع المدني، والنداءات المتواصلة، والتقارير التي توثق الاختلالات التنموية، تمرّ في صمت ثقيل، دون أثر ملموس على أرض الواقع. وكأن المؤسسات الوصية طوّرت قدرة مذهلة على التعايش مع الإنذار الدائم، أو أن معاناة الساكنة الجبلية لم تعد تملك القوة الكافية لإحراج صناع القرار.
في مناطق عديدة من الأطلس الصغير، ومن بينها جماعات تعيش عزلة مركبة واخرى مقنعة ، لم تعد الجمعيات تكتفي بالمرافعات التقليدية، بل أصبحت تؤدي أدواراً يفترض أن تضطلع بها المؤسسات العمومية نفسها: توثيق الخروقات، دق ناقوس الخطر، تتبع المشاريع المتعثرة، والتنبيه إلى مخاطر التهميش البنيوي. ومع ذلك، تبدو هذه الجهود وكأنها تُلقى في فراغ إداري بارد، لا تصله أصوات المواطنين إلا عندما تتحول المأساة إلى كارثة أو حادث مأساوي يستدعي التدخل الإعلامي.
الأخطر في هذا المشهد، أن الصمت الرسمي لم يعد يُفهم باعتباره مجرد بطء إداري أو ضعف في الإمكانيات، بل بات يُقرأ كنوع من التطبيع مع الهشاشة، وكأن الدولة المحلية اعتادت على فكرة أن سكان الجبال يمكنهم التعايش إلى ما لا نهاية مع الطرق المدمرة، والانقطاع المتكرر للماء والكهرباء، وضعف الخدمات الصحية، وغياب فضاءات التعليم والثقافة والترفيه. إنها سياسة غير معلنة تقوم على “إدارة التهميش” بدل إنهائه.
هذه المفارقة تكشف أزمة أعمق تتجاوز ملفاً تنموياً هنا أو مشروعاً متعثراً هناك؛ إنها أزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات. فحين يكتشف الفاعل المدني أن مراسلاته لا تجد جواباً، وأن التقارير التي ينجزها لا تُناقش، وأن التحذيرات المتكررة لا تُترجم إلى قرارات، يتحول الإحساس بالمشاركة إلى شعور بالعبث. وفي المقابل، تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن العدالة المجالية والتنمية المستدامة، وبين واقع ميداني يشعر فيه سكان المناطق الجبلية بأنهم خارج حسابات الأولوية.
المفارقة الأكثر قسوة، أن هذه المناطق نفسها غالباً ما تُستحضر في الخطابات الوطنية باعتبارها خزانات للهوية والتراث والتنوع البيئي، لكن حين يتعلق الأمر بالاستثمار الحقيقي في الإنسان والبنيات الأساسية، تعود إلى الهامش بسرعة لافتة. يتم الاحتفاء بالجبال كصورة سياحية أو تراث ثقافي، بينما يُترك سكانها في مواجهة عزلة تنموية مزمنة.
إن تجاهل التنبيهات الصادرة عن المجتمع المدني لا يعني فقط إضعاف دور الوساطة الديمقراطية، بل يحمل أيضاً مخاطر اجتماعية وسياسية عميقة. فحين تفقد الساكنة الثقة في جدوى الترافع المؤسساتي، يصبح الاحتقان مرشحاً للتفاقم، وتتحول مطالب التنمية إلى شعور جماعي بالحيف والإقصاء. والتاريخ أثبت أن المناطق التي تُترك طويلاً خارج دوائر الإنصاف التنموي لا تنتج فقط الفقر، بل تنتج أيضاً فقدان الأمل.
اليوم، لم يعد السؤال المطروح هو: هل توجد اختلالات في تدبير المناطق الجبلية؟ بل لماذا تستمر رغم كل هذا الكم من التنبيهات والمرافعات؟ ولماذا تتحول المراسلات المدنية إلى أرشيف إداري صامت بدل أن تكون منطلقاً للمحاسبة والتصحيح؟
إن أي حديث جدي عن الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية يظل ناقصاً ما دامت أصوات الجبال لا تصل إلى مراكز القرار إلا بعد فوات الأوان. فكرامة المواطن لا يجب أن تُقاس بقربه من المدن الكبرى، ولا بحقوقه في الجغرافيا النافعة فقط، لأن الوطن الذي تُهمَّش أطرافه باستمرار، ينتهي تدريجياً إلى فقدان توازنه الداتي.