Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

الجامعة المغربية: جزر متفرقة، أبراج، وصمت الممرات

بقلم الدكتور مهدي عمري : أستاذ التعليم العالي بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، الرباط،

أحيانًا تمنحني الجامعة المغربية انطباعًا بأنها أرخبيل حقيقي. جزر، نعم، منفصلة عن بعضها البعض ببحر من الكبرياء الصامت، والعادات المتكلسة، وصمت مصقول بعناية. أليست هذه مأساة غريبة لمؤسسة يُفترض أن تُنتج الذكاء الجماعي، والفكر الحي، والنقاش، والمعرفة المتجددة؟ لست أبالغ. فمنذ سنوات، وأنا أعبر المعاهد والكليات ومؤسسات التعليم العالي، أرى المشهد ذاته يتكرر: أبواب مغلقة، دروس تُلقى كما لو كانت صلوات بلا إيمان، وزملاء متحصنون في سيادة ضيقة، يعتقد بعضهم أنه بلغ نهاية المعرفة. وكأن التدريس لا يعدو أن يكون إلقاء كلمات مستهلكة على طاولات قليلة، ثم الانسحاب بوقار إلى العزلة. إنه نوع من الهذيان المؤسساتي، يكاد يكون إداريًا، حيث تعيش الوظيفة على حساب الرسالة، وتتزين العادة بلباس الكفاءة، وتُحسب الأقدمية دليلًا على الخصوبة الفكرية. لقد آن الأوان للقول إن كثيرين ما زالوا يعيشون في أبراج بلا نوافذ، يظنون أنهم يسكنون منارات.

الأمر الأكثر إزعاجًا ليس حتى هذه المسافة، بل ذلك الجمود. فهناك أساتذة يكررون المحتوى نفسه لخمسة عشر عامًا، بالأمثلة ذاتها، والمراجع الصفراء نفسها، والصياغات الآلية ذاتها، وكأن العالم في الخارج وقّع اتفاقًا بعدم التغير. لكن العالم يتحرك، يتسارع، يهزّ اليقينيات، يعيد تشكيل المهن، ويعيد توزيع طرق الوصول إلى المعرفة تحت ضغط الرقمنة، والمنصات، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي. وبينما يعيش الطلبة في بيئات مشبعة بالشاشات والتدفقات والأتمتة وأنماط التعبير الجديدة ومصادر القلق المستجدة، يواصل بعضهم التدريس كما لو أنه يفتح حقيبة مغلقة منذ عشرين عامًا. أليس هذا عبثًا؟ ثمة شيء يجمع بين الكوميديا والمأساة في هذا المشهد: أستاذ يتحدث عن الحداثة بعقلية متحجرة، يدعو إلى التفكير النقدي انطلاقًا من ملخصات جامدة، ويدّعي إعداد المستقبل بأدوات ذهنية ترفض الحاضر. ثم يتفاجأ بأن طلبته يملّون أو يتثاءبون أو ينصرفون أو يتظاهرون بالإنصات. يصبح النص الجامعي حينها مجرد سطح مطمئن، نسيج من السلطة لا يحيل إلى بحث حي، بل إلى حفظ موقع ومظهر. لم نعد نُدرّس، بل نُدير أسطورة ذاتية.

لكن الألم الأكبر، ربما، ليس تقادم المحتوى، بل تآكل العلاقة الإنسانية. فالجامعة ليست مجرد آلة لتلقين الدروس؛ ينبغي أن تكون حدًّا أدنى من مجتمع قائم على المسؤولية والتضامن والاهتمام. ومع ذلك، كم من شخص نسي أن الزميل المريض ليس حالة تنظيمية عابرة، بل إنسان يُزار ويُدعم ويُعوَّض عند الحاجة دون تحويل ذلك إلى بطولة؟ وكم من شخص لا يدرك أن الزميلة الحامل، القريبة من الولادة، تستحق أكثر من عبارة مجاملة، وأن من الطبيعي—بل من البديهي—أن يُتَكفّل بحصصها مؤقتًا حفاظًا على كرامتها المهنية في لحظة إنسانية حساسة؟ الأمر لا يتطلب الكثير: لفتة، اتصال، تعويض، حضور. لكن لا شيء من ذلك يحدث غالبًا. يعود كل فرد إلى بيته بعد أن “أدى ساعاته”، وكأن الجامعة مجرد مرور محسوب بين سبورة وكرسي وسيارة مركونة خارجًا. يتحول الحرم إلى فضاء عبور، والزميل إلى ظل، والطالب إلى عبء، والمهمة إلى إجراء. ومع ذلك، نسمي هذا—بكل جدية—نبل المهنة. يا لها من مفارقة، ويا لها من هشاشة رمزية.

وهكذا، يأخذ هذا الواقع طابعًا سرياليًا إداريًا. نلتقي مختصين في التواصل عاجزين عن أبسط تعبير تضامني، ومدافعين عن المعرفة لا يقرأون، ومربين لا يجددون أدواتهم، ومثقفين يخشون كل مساءلة كأنها إهانة شخصية. لقد حان الوقت لقطع هذه المسرحية المتعالية. فالأستاذ الحقيقي ليس تمثالًا ولا مالك كرسي، بل هو وسيط قلق، عامل في المعنى، وصانع للمشترك. يجدد دروسه، يصغي إلى العالم، يتقاسم الأعباء، يزور المرضى، يعوض زملاءه، يشك في نفسه، ويبدأ من جديد. من دون ذلك، لا يبقى سوى ديكور: مكتب، بعض الألقاب، صوت لا يزال يتكلم، وحوله فراغ مهذب. لعل هذه هي الجرح الأعمق: أن الجامعة، بدل أن تكون بيتًا حيًا لتداول المعرفة والعناية، تتحول في كثير من الأحيان إلى صف من الجزر المنعزلة، حيث يحكم كل فرد على مساحة تكاد لا تُرى.

المقال الأصلي باللغة الفرنسية وقد تم ترجمته عن طريق الذكاء الاصطناعي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.