Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

عبد الله ساعف: الانتخابات تعيد إنتاج البنيات التقليدية ومفهوم الانتقال الديمقراطي يتحول إلى “موضة”

بقلم: سلمى درداف

سجل عبد الله ساعف، وزير التربية الوطنية الأسبق ورئيس الجمعية المغربية للعلوم السياسية، موقفًا حذرًا إزاء استعمال مفاهيم “الجديد” و”المرحلة الجديدة” في تحليل التحولات التي يشهدها المغرب، معتبرًا أن هذه المفاهيم تصطدم منذ البداية بأطروحات كلاسيكية راسخة في علم السياسة، تناولت طبيعة التغيير داخل مجتمعات الجنوب.

وأوضح ساعف أن الأدبيات التي اشتغلت على الحالة المغربية خلصت إلى أن مشاريع التحديث الكبرى، سواء تعلق الأمر بإرساء المؤسسات الدستورية أو تنظيم الانتخابات أو إطلاق الأوراش التنموية، لم تُفضِ بالضرورة إلى قطيعة مع البنيات التقليدية، بل ساهمت في كثير من الأحيان في إعادة إنتاجها، حيث ظلت شبكات الأعيان والنخب المحلية محافظة على مواقعها داخل النسق السياسي والاجتماعي.

وأشار أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس إلى أن هذه الأطروحات، رغم وجاهتها في سياقها التاريخي، بدأت تفقد جزءًا من قدرتها التفسيرية، خاصة مع التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، من قبيل توسع التمدرس والنمو الحضري، وهي عوامل ساهمت تدريجيًا في إضعاف فرضية “اللا تغيير” التي هيمنت طويلًا على تحليل المجتمع المغربي.

وفي ما يتعلق بمفهوم “الانتقال الديمقراطي”، عبّر ساعف، خلال محاضرة نظمتها المكتبة الجامعية الرقمية بجامعة القاضي عياض بعنوان “عناصر تحليلية حول تطورات الحقل السياسي بالمغرب”، عن تحفظه إزاء استعماله بشكل واسع، مفضلًا الحديث عن “انتقال سياسي ديمقراطي”، بالنظر إلى أن ما يجري لا يزال في طور التشكل ولم يستقر بعد في نموذج واضح المعالم، محذرًا من تحويل المفاهيم إلى “موضة” إعلامية تُستعمل دون تدقيق علمي.

كما توقف الأكاديمي عند الإشكال المرتبط بطبيعة التغيير، متسائلًا عما إذا كان الأمر يتعلق بتحول حقيقي أم بإعادة إنتاج للأوضاع القائمة، مبرزًا أن جزءًا من النقاش العلمي انتقل من البحث في أسباب التهديدات التي تواجه المجتمع إلى طرح سؤال مغاير: كيف استطاع هذا المجتمع الحفاظ على استمراريته رغم التحولات والضغوط.

وشدد رئيس الجمعية المغربية للعلوم السياسية على ضرورة التمييز بين الخطاب العلمي في العلوم الاجتماعية والخطاب المتداول، معتبرًا أن العديد من المفاهيم يتم تداولها خارج سياقها الأصلي، خاصة في الإعلام، ما يؤدي إلى سوء فهمها وإفراغها من دلالاتها العلمية الدقيقة.

كما نبه إلى ما سماه “نزعة الحاضرية”، أي الانغماس في تحليل الأحداث الآنية بشكل سريع، وهو ما يتعارض مع منطق البحث العلمي الذي يقتضي التريث وانتظار اكتمال الظواهر قبل إصدار الأحكام بشأنها.

وعلى مستوى المؤشرات، استعرض ساعف مجموعة من التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، من بينها تراجع حجم الأسر التقليدية لصالح الأسرة النووية، وارتفاع نسبة الشيخوخة، وتوسع المجال الحضري، إلى جانب التأثير المتزايد للتكنولوجيا الرقمية، فضلًا عن معطيات مقلقة مرتبطة ببطالة الشباب وارتفاع المديونية.

كما سجل بروز تحولات ديموغرافية مهمة، أبرزها صعود جيل جديد يمثل نسبة وازنة من الكتلة الناخبة، إلى جانب تحولات قيمية تعكسها مؤشرات مثل تطور نسب التدين، ما يعكس ديناميات اجتماعية معقدة ومتداخلة.

وعلى صعيد التحولات السياسية، اعتبر ساعف أن المغرب انتقل تدريجيًا من “سلطة صلبة” إلى “سلطة أكثر ليونة”، تقوم بشكل متزايد على آليات التفاوض وإدماج الفاعلين بدل إقصائهم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على منطق المراقبة.

كما أبرز تنامي التعددية داخل المجتمع المغربي، سواء على مستوى الفاعلين السياسيين أو الاقتصاديين، مشيرًا إلى تطور دور الفاعلين الاقتصاديين، والارتفاع الملحوظ في عدد الأحزاب السياسية، وهو ما يعكس، بحسبه، تعقيدًا متزايدًا في بنية المشهد العام.

وختم ساعف مداخلته بالتأكيد على أن فهم هذه التحولات يقتضي الابتعاد عن القراءات الخطية أو التبسيطية، واعتماد مقاربة دينامية تأخذ بعين الاعتبار تعدد المستويات، من مركزية الدولة، إلى توازنات المؤسسات، مرورًا بأدوار النخب، وصولًا إلى المجتمع باعتباره فاعلًا متعدد الأوجه بين الاحتجاج والتفاوض وأحيانًا المراقبة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.