Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

المصحف المحمدي وإحياء التراث الجشتيمي: حين يلتقي الأصالة بالتجديد

يشكل إطلاق التطبيق الجديد لـ“المصحف المحمدي” لحظة علمية وثقافية متميزة في مسار العناية المغربية بالقرآن الكريم. فهذا المشروع لا يقتصر على تقديم النص القرآني بالخط المغربي، مرفقًا بالتلاوة والترجمة والتفسير، بل يتجاوز ذلك إلى إحياء تراث نحوي مغربي أصيل، من خلال اعتماد جهود العالم السوسي أبي زيد عبد الرحمن الجشتيمي في إعراب القرآن الكريم. وهو اختيار دالّ يعكس عمق المدرسة العلمية التي ينتمي إليها، والمتمثلة في المدرسة الجشتيمية، إحدى أبرز المدارس العلمية في جنوب المغرب.

الجشتيمي وإعراب القرآن… إحياء تراث مغربي أصيل

يُعد أبو زيد عبد الرحمن الجشتيمي من أعلام العلم في سوس، وقد اشتهر بكتابه “إعراب القرآن”، وهو عمل علمي متميز يجمع بين الدقة والاختصار، وموجّه أساسًا لطلبة القرآن ودارسي المتون النحوية. وقد جاء اعتماد هذا المؤلَّف في التطبيق الجديد لعدة اعتبارات، من أبرزها كونه يمثل إعرابًا مغربيًا أصيلًا منسجمًا مع رواية ورش واختيارات المغاربة، فضلًا عن طابعه التعليمي المبسط الذي درج عليه شيوخ المدارس العتيقة، واعتماده نصًا مختصرًا مركزًا يسهل استيعابه وتداوله. كما تم تكييف بعض عباراته لتقريبها لغير المتخصصين، دون الإخلال بروح النص الأصلي، في تجسيد واضح للتوازن بين الأصالة والتحديث.

المدرسة الجشتيمية… الجذور والنشأة

تنسب المدرسة الجشتيمية إلى قرية إجشتيم بمنطقة أملن في سوس، وهي موطن أسرة علمية عريقة أسسها العالم عبد الله بن محمد القادم من تامكروت، والمتوفى سنة 1189هـ. وقد شكلت هذه الأسرة نواة مدرسة علمية سرعان ما تحولت إلى مركز إشعاع علمي وتربوي. وقد وصفها العلامة المختار السوسي في كتابه “سوس العالمة” بأنها “دار السنة ومحاربة البدع، ومنبع للمعارف والصلاح”. ورغم بدايتها المتواضعة، فقد ازدهرت بفضل تتابع الأجيال العلمية داخل الأسرة، حيث توارث الأبناء والأحفاد مهمة التعليم والتأليف والتربية.

عوامل نجاح المدرسة الجشتيمية

حققت المدرسة الجشتيمية مكانتها المرموقة بفضل تضافر مجموعة من العوامل؛ فقد نشأت في بيئة علمية متميزة بمنطقة سوس التي عُرفت تاريخيًا باحتضانها للعلم والعلماء، من خلال تأسيس المدارس العتيقة ودعمها بالأوقاف والزكوات، وتقدير أهل العلم والأخذ بآرائهم. كما أسهمت منطقة أملن، بما عُرف عنها من نبوغ علمي، في توفير تربة خصبة لظهور علماء بارزين. ويُضاف إلى ذلك الدور المحوري للأسرة الجشتيمية التي شكلت عماد هذه المدرسة، حيث توارثت العلم جيلًا بعد جيل، وجمعت بين المعرفة والصلاح، واهتمت بالتأليف والتربية والإصلاح، مما منح المدرسة استمرارية وإشعاعًا علميًا واجتماعيًا متميزًا.

مجالات إشعاع المدرسة الجشتيمية

لم يقتصر دور المدرسة الجشتيمية على التعليم النظامي، بل امتد ليشمل مجالات متعددة؛ فقد اضطلعت بتدريس العلوم الشرعية واللغوية، وتخريج طلبة نشروا العلم في مختلف المناطق، مع العناية بالتربية الروحية والأخلاقية القائمة على الجمع بين العلم والتزكية. كما انفتحت على عامة الناس عبر الوعظ والإرشاد، ونظم المتون بالأمازيغية لتبسيط العقيدة والأحكام. وأسهم علماؤها في إثراء المكتبة الإسلامية بمؤلفات متنوعة في الفقه والحديث واللغة والتاريخ، إلى جانب منظومات مثل “العمل السوسي” وكتب التراجم كـ“الحضيكيون”، فضلًا عن دواوين شعرية بالعربية والأمازيغية. وكان لها أيضًا دور بارز في الإصلاح الاجتماعي من خلال الوساطة بين القبائل، وحقن الدماء، وترسيخ الأمن والاستقرار، خاصة خلال الفترات الحرجة من تاريخ المغرب في القرن الثالث عشر الهجري.

دلالات اعتماد الجشتيمي في “المصحف المحمدي”

يحمل اعتماد جهود الجشتيمي في “المصحف المحمدي” دلالات عميقة تتجاوز البعد التقني إلى رمزية علمية وحضارية واضحة؛ فهو يعكس إعادة الاعتبار للمدارس العلمية المغربية العريقة، وتثمين التراث المحلي عبر إدماجه في أدوات رقمية حديثة، بما يحقق وصل الماضي بالحاضر. كما يبرز خصوصية النموذج المغربي في خدمة القرآن الكريم، القائم على اختيارات علمية راسخة، ويسهم في ربط الأجيال الجديدة بإرثها العلمي الأصيل. وفي العمق، يؤكد هذا الاختيار أن المغرب ليس مجرد مستهلك للمعرفة، بل فاعل في إنتاجها وتطويرها ضمن رؤية متجددة تجمع بين الأصالة والابتكار.

خاتمة

إن المدرسة الجشتيمية ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل تجربة علمية حية جسّدت تلاحم العلم بالعمل، والتأصيل بالانفتاح، وخدمة الدين بالمجتمع. واليوم، ومع اعتماد تراثها ضمن “المصحف المحمدي”، تستعيد هذه المدرسة مكانتها في الوعي المعاصر، مؤكدة أن الجذور الراسخة قادرة على إنتاج معانٍ جديدة وصياغة آفاق واعدة للمستقبل. ومن ثم، فإن صيانة هذا التراث بجمعه ودراسته وتثمينه لا تمثل مجرد وفاء للماضي، بل تُعد رهانًا استراتيجيًا على المستقبل، وأساسًا لبناء نموذج تنموي يضع الإنسان في صلبه، بقيمه ومعرفته وهويته.

إعداد: مولاي المصطفى النقراوي

عضو مؤسس لجمعية المدرسة الجشتيمية

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.