Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

ندوة الوفاء… حين يستعيد الراحلـون حضورهم في ذاكرة تيزنيت

بقلم: عبدالله حافيظي السباعي

حضرتُ يوم السبت 7 فبراير 2026 بالمعهد الموسيقي الحاج بلعيد بمدينة تيزنيت ندوةً تكريمية لروحَي الدكتورين المرحومين الحسين عمري وعبدالرحمن أجبور، في لقاء جمع بين الوفاء الإنساني واستعادة الذاكرة الثقافية والعلمية. وكانت تلك أول زيارة لي لمركب الحاج بلعيد، القائم بحي شعبي، وهو فضاء يثير التأمل في مفارقات العمران والتحولات التي عرفتها المدينة؛ إذ يفتقر محيطه إلى مرافق مرافقة كفضاءات خضراء أو مواقف للسيارات، رغم ما يتيحه داخله من قاعة محترمة تتسع لحوالي مائتي شخص، ومنصة لائقة وتجهيزات صوتية حديثة، إضافة إلى قاعات لتدريس الموسيقى مجهزة بآلات متنوعة.

هذه الزيارة أعادت إلى الذهن الحديث عن المشهد الفني المحلي، وعن أسماء ومجموعات أمازيغية حملت مشعل الفن الملتزم ذات زمن، قبل أن تخبو أنوارها مع تقلبات الساحة الثقافية. كما دفعت إلى استحضار صورة تزنيت نفسها، المدينة التي فقدت شيئاً من رونقها في مسار التمدن، بعدما طالت التغييرات معالم طبيعية وتاريخية كانت تشكل جزءاً من روحها، من العين الزرقاء إلى بساتين “دو تركا”، وصولاً إلى ساحة المشور التي ظلت مشاريع تهيئتها حبيسة التصاميم والاقتراحات.

في خضم هذه التأملات العمرانية، جاء حضور الندوة وفاءً لذكرى رجلين جمعني بهما زمن الدراسة والمعرفة. فقد كان المرحوم الدكتور الحسين عمري صديقاً منذ سنوات الرباط، ومن أسرة تزنيتية عريقة عُرف والدها بالعلم والوقار. أما أشقاؤه فقد توزعوا بين مجالات القانون والهندسة والأعمال، محافظين على صلاتهم بالمدينة وذاكرتها. واستحضار سيرتهم خلال اللقاء كان مناسبة للحديث عن روابط العلم والأسرة والهوية التي تصنع امتداد الإنسان في مجتمعه.

كما شكل اللقاء فرصة للتواصل مع وجوه من المدينة وفعالياتها، واستعادة ذكريات الدراسة والعمل الجماعي، ومشاهدة كيف تتقاطع المسارات السياسية والثقافية والاجتماعية في ذاكرة الأفراد. وفي هذا السياق، كان النقاش حول الشخصيات العمومية وتجاربها السياسية دليلاً على حيوية الجدل المحلي وتعدد قراءاته.

أما المرحوم الدكتور عبدالرحمن أجبور، فرغم أن معرفتي به كانت محدودة، فقد ظل اسمه مرتبطاً بالاجتهاد الأكاديمي والتكوين الأدبي، وبعلاقة وثيقة مع الكتاب والقراءة والثقافة الفرنسية. وقد أجمع الحاضرون على مكانته العلمية وما خلفه من أثر في محيطه.

وقد تميزت الندوة بعروض قيمة، خاصة في جانبها التاريخي، مما يعزز الدعوة إلى جمع مداخلاتها ونشرها، وطباعة مؤلفات الراحلين وترجمتها حتى تستفيد منها الأجيال المقبلة، لأن توثيق المعرفة شكل من أشكال الوفاء.

كان اللقاء، في جوهره، لحظة إنسانية خالصة؛ امتزجت فيها الدموع بالدعاء، والحنين بالاعتزاز، فبقيت ذكرى التكريم شاهداً على أن استحضار العلماء وتوثيق سيرهم إحياءٌ لهم في الوجدان. رحم الله الدكتورين الحسين عمري وعبدالرحمن أجبور، وجعل هذا اللقاء صدقةً جارية في ميزان ذكراهما.

حرر بيتزنيت الأحد 8 فبراير 2026 عبدالله حافيظي السباعي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.