
بالاحمر الأفريقي… الصحافية التي تتنفس تحت الماء
بقلم عبدالعزيز بن صالح
في كل زمنٍ يحتاج إلى جرعة أكسجين إعلامي، كانت فاطمة الإفريقي تخرج من بين ضوضاء الشاشة كنسمة رقراقة، هادئة النبرة، أنيقة اللغة، ثابتة الخطو، كأنها تعبر المشهد الإعلامي ببداهة الماء وعمق البحر. وُلدت في الرباط، وولدت معها قدرة نادرة على الإصغاء للعالم ثم إعادة صياغته بجمالٍ لا يخطئه أحد. لم تكن مجرّد مقدّمة برامج فنية، بل كانت صاحبة رؤية، ومهندسة تفاصيل، وامرأة أتقنت أن تنحت مكانها بصبر وهدوء، بعيدًا عن صخب الواجهات.
منذ بداياتها في «المجلة الفنية» سنة 1992، مرورًا بـ «سحر» و*«مساء الفن»* و*«فطور الأولى»* و*«عتاب»* وصولًا إلى «تغريدة» و*«مع محبتي»*… كانت الإفريقي تبني جسورًا بين المتلقي والفن، بين التلفزيون والذوق الرفيع، بين المهنية ورقيّ الحضور. لم تكن برامجها مجرد عناوين، بل كانت محطات في تاريخ التلفزيون المغربي، محطات صنعت ذائقة ورفعت معايير وعلّمت أجيالًا من الإعلاميين.
لكن حين ضاقت بها الشاشات، وحين تحولت الفكرة إلى خطر، والرأي إلى تهمة، سلكت طريقًا آخر لا يُغلق: طريق الصحافة المكتوبة. هناك، في «أخبار اليوم» أولًا، وفي مواقع عديدة بعدها، كتبت كما لو أنها تتنفس كلماتٍ لا هواء. كتبت بجرأة المرأة التي لا تستعير صوتًا ولا تتبرأ من مواقفها. كتبت بوضوحٍ أزعج الحراس الذين يعتقدون أن الكلمة الحرة يجب أن تُسوّق بتصريح، وأن الرأي لا يُسمح له أن يصطدم بأسوار السلطة والمصالح.
دفعت ثمن ذلك مضايقات وحروبًا صامتة، تهميشًا ممنهجًا، وإقصاءً حاول أن يطفئ وهجها. لكن من يكتب بضمير لا يمكن أن يختنق. فاطمة الإفريقي كانت — وما تزال — قادرة على التنفس تحت الماء. كلما حاولوا إغراق صوتها، خرج أقوى. كلما ضيقوا عليها المسافات، اخترعت لها دروبًا جديدة. هي من ذلك النوع من النساء اللواتي لا يُطفِئهُنّ المنع، بل يشحذهنّ.
ولأنها أستاذة أيضًا، ومحاضِرة، ومكوِّنة، حملت رسالتها خارج الورق، إلى القاعات والمعاهد، تنقل شغفها بالإعلام وتدافع عن مهنة تُحاصرها الرداءة من كل الجهات. آمنت بأن الصحافة ليست مهنةً فقط، بل موقفًا وأمانة، وأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بالكتابة والمثابرة.
فاطمة الإفريقي اليوم ليست مجرد اسم عابر في سجل الصحفيات المغربيات. هي مرآة مرحلة، وصوت جيل، وذاكرة مفتوحة على زمنٍ حاول أن يخنق الكلمة فتنفست من عمق الماء. كتبت، قاومت، وقفت، ولم تنحنِ. لهذا، يليق بها هذا العنوان:
فاطمة الإفريقي… الصحافية التي تتنفس تحت الماء.