
تيزنيت.. شرق منسيّ في مدينة تسير بسرعتين
حادثة مروعة هزّت تيزنيت مؤخرًا: مقتل شاب في ريعان شبابه داخل الأحياء الشرقية المهمشة. مأساة كشفت بدموعها ودمائها أن التهميش ليس مجرد تأخر في التنمية، بل هو قاتل صامت يفتك بالأرواح ويزرع اليأس في النفوس. إنها جريمة صادمة تختزل في تفاصيلها واقع شرق تيزنيت المنسي، حيث الفقر والعزلة وغياب الأمن الوقائي يفتحون أبواب الضياع أمام شباب بلا أفق.
في الوقت الذي تعيش فيه المدينة العتيقة ومركزها الحضري دينامية عمرانية واضحة، يظل شرق تيزنيت – من النخيل إلى عين الزرقاء وما جاورهما – رهين النسيان، بلا مشروع واحد يغير ملامحه، وكأن الزمن توقف فيه منذ عقود.
المؤلم أن هذا التفاوت الصارخ لم يعد خافيًا على أحد: فبينما تتسابق المشاريع والمقاولات إلى قلب المدينة حيث الأنظار مركزة، تظل الأحياء الشرقية غارقة في العزلة، طرقاتها متآكلة وأزقتها متروكة، ليلها مظلم ونهارها بلا روح. هنا يطرح السؤال الحارق: هل نحن أمام مدينة واحدة أم أمام مدينتين تسيران بسرعتين مختلفتين؟
الولاية السابقة مرّت بلا التفاتة تُذكر، والحالية تبدو نسخة طبق الأصل، وكأن غياب المدافعين الحقيقيين عن هذه الرقعة داخل المجلس جعلها خارج أولويات أجندة التنمية. فمن الطبيعي إذن أن يشعر سكانها أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، لا نصيب لهم من الميزانية ولا من العدالة المجالية.
الأدهى من ذلك أن الزائر القادم عبر طريق كلميم، ما إن يقترب من هذه الأحياء حتى يخاله في قرية نائية، لا في مدينة يُفترض أنها عاصمة إقليم وتتوفر على مؤهلات ثقافية وسياحية واقتصادية كبيرة. هذا التناقض يطرح بحدة إشكالية التمييز المجالي داخل نفس المدينة، حيث المركز ينعم بالأضواء والمشاريع، والشرق يواجه التهميش الممنهج.
لقد بلغت المفارقة حدًّا يجعل بعض الساكنة يتذكرون بمرارة تلك “المرحلة السوداء” حين كان المطرح القديم – على سلبياته – على الأقل يجلب حركة وحضورًا للمنطقة، أما اليوم فلا حياة تُذكر، ولا مشروع يلوح في الأفق.
إنها صرخة شرق تيزنيت، صرخة ضد التوزيع غير العادل للمشاريع وضد التنمية الانتقائية. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأرصفة المرممة في المركز، بل بقدرتها على رفع التهميش عن الهوامش، وإعادة الاعتبار لكل أحياء المدينة، شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا.
ما العمل؟
المطلوب اليوم إرادة سياسية محلية صادقة تعيد التوازن للمدينة عبر:
برمجة مشاريع تنموية استعجالية في الأحياء الشرقية (تهيئة الطرق، الإنارة العمومية، البنية التحتية الأساسية).
إشراك المجتمع المدني والساكنة في تحديد الأولويات بدل قرارات فوقية لا تراعي الواقع.
تفعيل مبدأ العدالة المجالية وربط الدعم العمومي بالإنصاف في توزيع المشاريع.
فتح حوار عمومي واسع حول مستقبل الجهة الشرقية وإدماجها ضمن الرؤية الشاملة لتنمية تيزنيت.
فلا تنمية حقيقية دون إنصاف الهوامش، ولا عدالة مجالية دون شرق قوي وفاعل في قلب المدينة.