Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

بوالزيت الحسين : …تكريم علمي واعتراف مستحق بمسيرة الأستاذة آسية بنعدادة

كرونيك اليوم:

سعادتنا بتسلم كتاب المغرب والآخر: تقاطعات التاريخ والإنسان والأنساق…

تكريم علمي واعتراف مستحق بمسيرة الأستاذة آسية بنعدادة

يأتي صدور الكتاب الجماعي المغرب والآخر: تقاطعات التاريخ والإنسان والأنساق والذي يظم مقال لنا تحث عنوان: ميناء واد ماست من الافول الى الازدهار، في سياق الاحتفاء بمسار أكاديمي وتربوي متميز جسّدته الأستاذة الفاضلة آسية بنعدادة، التي راكمت خلال مسيرتها الجامعية إسهامات وازنة في مجالي البحث التاريخي والتكوين البيداغوجي. إن تخصيص هذا العمل لتكريمها يمثل في العمق اعترافاً مستحقاً بما بذلته من جهود علمية واضحة الأثر، وما أسدته من خدمات للجامعة المغربية والوطن على السواء.

لقد جمعت الأستاذة بنعدادة في شخصيتها العلمية بين صرامة الباحث ودفء المربية، كما وازنت بين مسؤولياتها الأسرية وعطائها الأكاديمي في صورة استثنائية تُجسد نموذج المرأة المغربية المكافحة. ومنذ انخراطها في تكوين الطلبة داخل وحدات البحث في تاريخ المغرب وأوروبا، بصمت مسارها بخصال بارزة: الصبر، السخاء المعرفي، والانفتاح على النقاش والحوار، وهي خصال جعلت منها مدرسة قائمة على التكوين المستدام وعلى زرع الثقة في قدرات الجيل الجديد من الباحثين.

يتميز هذا الكتاب بكونه لا يقتصر على الأسماء الأكاديمية المعروفة، بل فسح المجال أمام الباحثين الشباب، في اختيار يعكس التزام الأستاذة بنعدادة بمشروع أكاديمي يقوم على تجديد النخب. وهو خيار يجد مبرره في قراءة تاريخية عميقة، إذ أن النخب شكّلت إحدى أبرز معضلات المغرب في القرن التاسع عشر، حيث تقاطعت قضاياها مع الصراع بين أنماط التفكير التقليدي والتحديثي، ومع ظواهر تمرد القبائل وظهور الثوار، فضلاً عن إشكالية العلاقة بين المركز والهامش.

لقد أبانت أحداث القرن التاسع عشر عن أدوار محورية للهامش، سواء في التمرد على السلطة أو في المساهمة في إخماده، كما هو الشأن بالنسبة لمصير تمرد بوحمارة الذي كان للقائد الرحى، المنحدر من قبيلة لخصاص (ناحية أكلميم)، دور حاسم في إخماده ضمن الجيش المخزني. وإلى جانب ذلك، برزت إشكالات الامتداد الخارجي من خلال تسرب القوى الأوروبية إلى الصحراء المغربية، وما استتبع ذلك من جهود السلطان الحسن الأول للقضاء على الوجود البريطاني في طرفاية وتأكيد سيادة المغرب جنوب بوجدور وصولاً إلى ما كان يعرف ففيلا سينيوريس الداخلة اليوم، فضلاً عن قضية الصحراء الشرقية التي شكلت محوراً أساسياً في علاقات المغرب الإقليمية.

إن الأبحاث الواردة في هذا الكتاب تجسد هذه الانشغالات وغيرها، وتتميز بعمق في الطرح وغنى في المادة الوثائقية، ما يجعلها إضافة علمية معتبرة لحقل الدراسات التاريخية. وربما تجدر الإشارة، من باب الملاحظة الشكلية، إلى أن غلاف الكتاب كان سيكون أكثر انسجاماً مع موضوعه لو استُلهم من صور ذات دلالة على الانفتاح والتقاطع، كالبعثة البريطانية بطنجة، أو باب السفراء بالرباط بدلا من باب بوجلود بفاس.

إن هذا العمل التكريمي يقدّم في النهاية صورة متكاملة عن مسار الأستاذة آسية بنعدادة، ليس فقط باعتبارها باحثة متميزة، بل باعتبارها أيضاً رمزاً لقيم الالتزام والمسؤولية، وهو ما يمنح لهذا الكتاب دلالته المزدوجة: تكريم الشخص، وتثمين المشروع.

المغرب والآخر: تقاطعات التاريخ والإنسان والأنساق… وفي سياق الكتاب امكن استخراج هذه المحاور كقراءة اولية

من العلاقة الإنسانية إلى الرؤية الأكاديمية

تعرفت على الأستاذة بنعدادة منذ سنة 2005، في إطار وحدة البحث في تاريخ المغرب وأوروبا، حيث ظهرت لي منذ البداية أستاذة متفردة في عطائها العلمي وحرصها التربوي. فهي إلى جانب صرامتها الأكاديمية، عُرفت بصبرها وعطفها على طلبتها، وبانفتاحها على الحوار والنقاش، مما جعل علاقتنا بها تتجاوز حدود التلقي لتُصبح مدرسة قائمة على التكوين المستمر وعلى زرع الثقة في قدرات الطالب.

التكريم كاعتراف علمي

كما أُشير في تصدير الكتاب، فإن هذه المبادرة تمثل تكريماً علمياً بليغاً لمسار الأستاذة، وتقديراً لمساهمتها في خدمة الجامعة المغربية، ودعم البحث التاريخي، وصناعة أجيال جديدة من الباحثين. فقد أسهمت بمجهودها العلمي والبيداغوجي في تعزيز إشعاع الجامعة، وترسيخ قيم الالتزام بالمعرفة كخدمة وطنية.

مشروع تجديد النخب

ما يميز هذا العمل الجماعي أنه لم يُبْنَ وفق المقاييس المألوفة التي تُقصي الباحثين الشباب لصالح الأسماء الجاهزة، بل خُصّص حيز وافر للجيل الصاعد من المؤرخين. وهذا الاختيار يعكس رؤية الأستاذة بنعدادة ومشروعها الأكاديمي القائم على تجديد النخب، باعتباره المدخل الحقيقي لتجديد المعرفة.

إن هذا التوجه يجد مشروعيته في قراءة تاريخية أعمق، إذ أن إشكالية النخب شكّلت إحدى أبرز معضلات المغرب في القرن التاسع عشر. فقد ارتبطت بالتحولات الكبرى التي عرفها المجتمع والدولة، وتقاطعت مع قضايا متعددة: من صراع أنماط التفكير بين التقليداني والتحديثي، إلى تمرد القبائل وظهور الثوار، وصولاً إلى علاقة المركز بالهامش.

المركز والهامش… بين التمرد والإخماد

لقد أبرزت وقائع القرن التاسع عشر الدور المحوري للهامش في صياغة مسار الأحداث، سواء عبر التمرد على السلطة المركزية أو من خلال المساهمة في إخمادها. ويظل مثال تمرد بوحمارة دالاً في هذا السياق، إذ أسهم القائد الرحى – المنحدر من قبيلة لخصاص (ناحية أكلميم) – في إخماد هذا التمرد باسم الجيش المخزني، في صورة تُجسد مفارقة العلاقة بين المركز والهامش في التاريخ السياسي للمغرب.

الامتداد الخارجي وقضايا السيادة

كما لا يمكن إغفال الامتدادات الخارجية لهذه التحولات، من خلال تسرب القوى الأوروبية إلى الصحراء المغربية، وما واكب ذلك من سياسات دفاعية انتهجها السلطان الحسن الأول. فقد تمكن من القضاء على الوجود البريطاني في طرفاية، وأكد سيادة المغرب على ما وراء بوجدور وصولاً إلى ما يُعرف اليوم بالداخلة. كما ظلت قضية الصحراء الشرقية محوراً حيوياً في العلاقات الإقليمية للمغرب آنذاك، ما أضفى على المرحلة طابعاً استراتيجياً معقداً.

قيمة علمية وملاحظة شكلية

تتسم الأبحاث الواردة في هذا الكتاب بعمق منهجي وثراء وثائقي، مما يجعلها إضافة نوعية لحقل الدراسات التاريخية بالمغرب. غير أن ملاحظة شكلية يمكن تسجيلها بخصوص غلاف الكتاب: كان من الأجدر أن يُستلهم من مشهد دالّ على الانفتاح والتقاطع، مثل صورة البعثة البريطانية بطنجة، بدل الاكتفاء بباب بوجلود بفاس الذي يرمز أكثر إلى الانغلاق

خاتمة

إن كتاب المغرب والآخر يمثل في عمقه أكثر من عمل تكريمي، فهو تجسيد لرؤية أكاديمية تعتبر أن تجديد المعرفة رهين بتجديد النخب، وأن تكريم الأستاذة بنعدادة ليس فقط احتفاءً بمسارها العلمي، بل هو احتفاء بقيم الالتزام والمسؤولية التي حملتها على عاتقها، كأستاذة وباحثة ومربية. ومن ثمّ فإن هذا الكتاب يشكّل علامة فارقة في تكريس ثقافة الاعتراف داخل الجامعة المغربية، ويؤكد أن العلم حين يمتزج بالإنسانية يترك أثراً لا يُمحى. واثرك الأستاذة آسية لن يمحى ابدا من ذاكرتنا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.