
بقلم مولاي المصطفى النقراوي
لم تعد قضية مشاركة المرأة في الحياة السياسية مجرد مطلب حقوقي أو شعار انتخابي موسمي، بل أصبحت جزءاً من التزامات دولية ورهانات وطنية واستراتيجيات حزبية تتقاطع فيها الاعتبارات الديمقراطية مع الحسابات الانتخابية. ومن هذا المنطلق، لا تبدو وزارة الداخلية وحدها معنية بتشجيع حضور المرأة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بل إن مختلف الأحزاب السياسية انخرطت بدورها في سباق مبكر نحو استقطاب الوجوه النسائية القادرة على التأثير والتعبئة وصناعة الرأي.
*البعد الدولي.. من سيداو إلى أهداف التنمية المستدامة*
على المستوى الدولي، يرتبط تعزيز مشاركة المرأة السياسية بجملة من الاتفاقيات والالتزامات الأممية، وفي مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي تعد المرجع الأساسي في مجال حقوق المرأة. كما أن أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، خاصة الهدف الخامس المتعلق بالمساواة بين الجنسين، تدعو إلى ضمان مشاركة كاملة وفعالة للمرأة في مواقع صنع القرار السياسي والاقتصادي. لذلك أصبحت الدول مطالبة دولياً برفع نسب تمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة والإدارات العمومية والأحزاب السياسية، باعتبار ذلك مؤشراً من مؤشرات الديمقراطية والحكامة الجيدة.
*البعد الوطني الرسمي.. إرادة دستورية ومؤسساتية*
في المغرب، شكل دستور 2011 محطة مفصلية في مسار النهوض بحقوق المرأة، حيث نص على مبدأ المناصفة والمساواة، وأقر بضرورة العمل على تحقيق تمثيلية عادلة للنساء داخل المؤسسات المنتخبة. كما عملت الدولة على اعتماد مجموعة من الآليات، من بينها : اللوائح الجهوية والوطنية الخاصة بالنساء. و برامج تقوية القدرات السياسية للنساء. ودعم التمثيلية النسائية داخل الجماعات الترابية. و تشجيع ولوج النساء لمراكز القرار. وأصبحت بدالك المؤسسات الرسمية تعتبر مشاركة المرأة السياسية جزءاً من مشروع تحديث الدولة وتعزيز الديمقراطية المحلية.
*الأحزاب السياسية.. بين الاقتناع الديمقراطي والحساب الانتخابي*
أدركت الأحزاب المغربية أن المرأة أصبحت فاعلاً انتخابياً لا يمكن تجاهله. لذلك شرعت مختلف التشكيلات الحزبية في الدفع بوجوه نسائية جديدة إلى الواجهة. فالأحزاب ذات المرجعية الديمقراطية غالباً ما تراهن على أستاذات جامعيات ومربيات وباحثات وفاعلات ثقافيات ومدنيات يمتلكن رصيداً معرفياً ورمزياً يسمح لهن بإقناع الناخبين. أما بعض الأحزاب الإدارية أو أحزاب الأعيان فتفضل في كثير من الأحيان استقطاب سيدات الأعمال ووجوه الباطرونا والشخصيات ذات النفوذ الاقتصادي والاجتماعي.
وخلال السنوات الأخيرة، تابع الرأي العام بروز أسماء نسائية عديدة استطاعت احتلال المشهد الإعلامي والسياسي، من بينهن مايسة سلامة الناجي وغيرها من الوجوه المؤثرة التي أصبحت تحظى بحضور متزايد في النقاش العمومي.
*رابعاً: المرأة في المدن وشبه المدن.. صعود النخب النسائية*
في المدن والمراكز الحضرية وشبه الحضرية، برز جيل جديد من النساء المتعلمات اللواتي راكمن خبرات في العمل الجمعوي والنقابي والثقافي والسياسي. هذه الفئة تستفيد من: مستوى تعليمي مرتفع. شبكة علاقات واسعة. حضور إعلامي ورقمي. قدرة على التواصل والترافع. و هكدا أصبحت تشكل خزانا مهما للأحزاب الباحثة عن مرشحات يمتلكن القدرة على المنافسة الانتخابية وعلى تدبير الشأن العام بعد الفوز.
*العالم القروي.. بين التمكين والاستعمال الانتخابي*
يبقى العالم القروي المجال الأكثر تعقيداً في ما يتعلق بالمشاركة السياسية للمرأة. ففي الوقت الذي تشهد فيه بعض المناطق القروية بروز نساء استطعن فرض حضورهن داخل المشهد الجمعوي والسياسي المحلي، فإن جزءاً من الأحزاب ما زال ينظر إلى المرأة القروية باعتبارها خزاناً انتخابياً منخفض التكلفة أكثر من كونها شريكاً سياسياً كاملاً.
وتتجه بعض التنظيمات إلى استقطاب: النساء العاملات في التعاونيات. المستفيدات من مشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. النساء ذوات النفوذ العائلي أو القبلي. النساء القادرات على تعبئة الكتلة النسائية القروية. وبالتالي وفي كثير من الحالات يتم توظيف صورة المرأة القروية – حاملة الحطب أو العاملة في الحقول أو التعاونيات – كرمز انتخابي أكثر من كونها مشروعاً حقيقياً للقيادة السياسية.
*حالة أدرار.. بين النخب الصاعدة والرهانات الحزبية*
على المستوى المحلي بأدرار، شهدت السنوات الأخيرة بروز أسماء نسائية أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الجمعوية والسياسية، سواء من خلال العمل المدني أو من خلال التموقع داخل الأحزاب والتنظيمات النسائية. وتعكس هذه الدينامية انتقال الفعل النسائي المحلي من مرحلة الحضور الرمزي إلى مرحلة البحث عن التأثير المباشر في القرار المحلي.
كما يلاحظ دخول نساء قادمات من أوساط حضرية متعلمة ومثقفة إلى المجال السياسي والجمعوي المحلي، في محاولة لإعادة تشكيل المشهد النسائي وإنتاج نخب جديدة قادرة على المنافسة في الاستحقاقات المقبلة.
ويبقى السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: هل ستشارك المرأة في الانتخابات؟ بل أصبح: أي امرأة ستشارك؟ وأي مشروع سياسي ستمثله؟ فالرهان لم يعد في رفع الأرقام والإحصائيات فقط، وإنما في الانتقال من “التمثيلية العددية” إلى “التمثيلية النوعية”، أي تمكين نساء يمتلكن الكفاءة والاستقلالية والقدرة على التأثير وصناعة القرار.
وبين التزامات الدولة الدولية، وخطابات الأحزاب الديمقراطية، وحسابات الأعيان والأحزاب الإدارية، يبقى مستقبل المشاركة السياسية للمرأة في المغرب رهيناً بمدى قدرتها على التحول من موضوع انتخابي إلى فاعل سياسي كامل الأهلية، خصوصاً في العالم القروي حيث لا تزال معركة التمكين الحقيقي مفتوحة على جميع الاحتمالات.