
ليست العقوبات البديلة اختراعاً حديثاً كما يُروَّج لها اليوم. فالتاريخ الطويل للسجون عبر العالم يكشف أن فكرة تحويل العقوبة إلى “عمل” أو “إنتاج” ليست سوى امتداد لمسارات قديمة، تراوحت بين الإصلاح الإنساني والاستغلال الاقتصادي المقنّع. ولهذا، فإن النقاش الدائر اليوم بالمغرب حول تنزيل العقوبات البديلة لا يمكن فصله عن الذاكرة التاريخية للسجون، سواء داخل أوروبا نفسها أو في مستعمراتها السابقة. فكل حديث عن “الأشغال للمصلحة العامة” يفرض سؤالاً مركزياً: هل نحن أمام فلسفة جديدة للعدالة؟ أم أمام إعادة إنتاج حديثة لمنطق قديم يقوم على تسخير اليد العاملة الرخيصة باسم الإصلاح؟
منذ القرن التاسع عشر، لم تكن السجون الأوروبية مجرد فضاءات للعقاب، بل تحولت تدريجياً إلى وحدات إنتاج اقتصادي. ففي العديد من البلدان الأوروبية، وخاصة في المقاربة الفرنسية، ارتبطت السجون بفكرة “إعادة التأهيل عبر العمل”، لكن هذا الشعار كان يخفي، في كثير من الأحيان، بُعداً اقتصادياً واضحاً. ففي فرنسا، كما في عدد من القوى الاستعمارية الأوروبية، استُخدم العمل السجني كوسيلة لتقليل كلفة الدولة وتوفير اليد العاملة الرخيصة. ومع توسع الإمبراطوريات الاستعمارية، تم تصدير هذا النموذج إلى المستعمرات. وفي المستعمرات الفرنسية، لم يكن السجن مجرد بناية مغلقة، بل كان أحياناً فضاءً إنتاجياً مفتوحاً. ففي غويانا الفرنسية، تحولت المستعمرات العقابية إلى أدوات لاستغلال الإنسان والطبيعة معاً، حيث استُخدم السجناء في الأشغال الشاقة واستخراج الثروات تحت غطاء “التأهيل”.
وفي المغرب، عرف عهد الحماية الفرنسية نماذج مشابهة، حيث ارتبطت بعض المعتقلات والسجون بالأشغال الفلاحية والاستغلال الزراعي وعددها حوالي 6 سجون فلاحية مثل سجن أوطيطا، وإفران، والعادر، ارتبطت في الذاكرة المحلية بنماذج لسجون أو مراكز احتجاز ذات طابع فلاحي، حيث كان السجناء يُستخدمون في استغلال الأراضي والضيعات الزراعية، في علاقة ملتبسة بين العقوبة والإنتاج. ولم يكن الهدف دائماً إعادة الإدماج بقدر ما كان توفير اليد العاملة، وضبط المجال القروي، والتحكم في السكان.
ومع تطور الاقتصاد الصناعي، تطورت وظائف العمل السجني. فلم تعد السجون مرتبطة فقط بالفلاحة، بل امتدت إلى النسيج، وحياكة الملابس، وتجهيزات الجيش والشرطة، وبعض الصناعات الخفيفة. وفي عدة تجارب أوروبية، أصبح السجين جزءاً من سلسلة إنتاج كاملة تستفيد منها الدولة أو شركات خاصة، غالباً بأجور رمزية أو دون حماية اجتماعية حقيقية.
وفي إسبانيا، خلال فترة الجنرال فرانكو، شهدت البلاد نماذج مثيرة للجدل لتعاقدات بين مؤسسات سجنية وشركات إنتاج كبرى، حيث استُخدمت اليد العاملة السجنية في بعض الصناعات، من بينها الصناعات الرياضية وصناعة الكرات وغيرها، تحت خطاب “إعادة التربية الوطنية”. وقد ظل هذا النموذج، الذي خلط بين العقوبة والإنتاج الاقتصادي، محل انتقادات واسعة من منظمات حقوقية اعتبرت أن الحدود بين التأهيل والاستغلال كانت، في كثير من الأحيان، غير واضحة.
وحين يُطرح اليوم بالمغرب مشروع العقوبات البديلة، فإن التخوف لا ينبع فقط من ضعف البنية أو غياب التشاور، بل أيضاً من هذا الإرث التاريخي الثقيل. فالتحول من “السجن المغلق” إلى “العمل للمصلحة العامة” قد يبدو تقدماً نظرياً، لكنه يطرح مخاوف حقيقية: هل ستتحول العقوبات البديلة إلى سوق جديدة لليد العاملة الهشة؟ وهل ستستفيد جماعات أو مؤسسات، أو حتى شركات، من خدمات شبه مجانية تحت غطاء الإدماج؟ وهل توجد ضمانات تمنع إعادة إنتاج نماذج استغلالية عرفها التاريخ الأوروبي والاستعماري؟ هذه الأسئلة ليست مبالغات أيديولوجية، بل دروس مستخلصة من تجارب دولية سابقة.
المشكل الأكبر اليوم ليس فقط في فلسفة العقوبات البديلة، بل في طريقة تنزيلها. فالإصلاح الحقيقي لا يُفرض بقرارات فوقية، بل يُبنى عبر التشاور، والثقة، وإشراك المجتمع المدني، وضمان الشفافية. وفي العديد من الجماعات بالمغرب، تبدو هذه الشروط غائبة. ولذلك، فإن الخوف لا يتعلق بمبدأ الإصلاح، بل بإمكانية تحوله إلى نسخة جديدة من سياسات قديمة بثوب قانوني حديث.
وسط هذا الجدل، هل تضيع فرصة تاريخية لتحويل العقوبات البديلة إلى مشروع مجتمعي حقيقي. فقد كان من الممكن، بدل حصر “الأشغال للمصلحة العامة” في المحكوم عليهم فقط، فتح المجال أمام تطوع الشباب، وإشراك المهاجرين وأبناء الجالية المغربية بالخارج، وخلق أوراش بيئية وثقافية واجتماعية مشتركة، وتحويل العقوبة من فعل فردي معزول إلى تجربة إدماج جماعي.
كما كان من الممكن دعم الجمعيات المحلية لتأطير هذه البرامج، وربطها بالتكوين المهني، وتحويلها إلى أدوات لمحاربة البطالة والهشاشة بدل الاكتفاء بمنطق العقاب.
وأخيراً، فإن التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يترك ظلاله. فالعقوبات البديلة قد تشكل فرصة حقيقية لتحديث العدالة المغربية، لكنها قد تتحول أيضاً إلى إعادة إنتاج غير واعية لتجارب قديمة، حيث يصبح الإنسان مورداً اقتصادياً تحت خطاب الإصلاح.
فالتاريخ الأوروبي والاستعماري للسجون يعلّمنا أن الخط الفاصل بين “إعادة الإدماج” و”الاستغلال” كان دائماً هشاً. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل نريد العقوبات البديلة؟ بل: أي نموذج من العقوبات البديلة نريد؟ ولصالح من؟
بقلم مولاي مصطفى النقراوي