
الطريق الجهوية 104… ثمانية عشر كيلومتراً من الإهمال ومرآة لفشل التدبير العمومي
بقلم مولاي مصطفى النقراوي
ليست الطريق الجهوية رقم 104، وبالضبط المقطع الرابط بين إيخف أفيلو وجماعة أملن، مجرد طريق متآكلة تحتاج إلى بعض الإصلاحات، بل هي ملف مفتوح لهدر الزمن التنموي، وعنوان صارخ لعجز الإدارة عن الوفاء بأبسط التزاماتها تجاه المواطنين. فثمانية عشر كيلومتراً فقط تحولت، عبر سنوات من التسويف، إلى أكبر شاهد على الفشل في التخطيط، وسوء التتبع، وغياب ربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذا المقطع ليس مجرد “نقطة سوداء” على خريطة الطرق، بل بقعة سوداء في سجل التدبير العمومي بالإقليم. عشرات الدراسات، ووعود متكررة، وإعلانات متفائلة، لكن النتيجة واحدة: طريق مهترئة، وحفر قاتلة، وجنبات منهارة، وساكنة تدفع يومياً ثمن التأجيل المزمن.
في أبريل 2025، استبشرت الساكنة خيراً مع انطلاق أشغال تقوية وتوسعة هذا المقطع. وظن الجميع أن معاناة امتدت لعقود توشك أن تصبح جزءاً من الماضي. لكن بعد تسعة أشهر فقط، انقلب الأمل إلى خيبة جديدة. الأشغال تعثرت، والآليات اختفت، والمشروع دخل في حالة سبات، وكأن الزمن توقف عند هذا الورش.
والأدهى أن الأمطار الأخيرة لم تكشف هشاشة الطريق فقط، بل كشفت هشاشة تدبير المشروع نفسه. فقد تحولت أجزاء من المقطع إلى مسالك محفوفة بالمخاطر، وازدادت الحفر اتساعاً، وانجرفت جنبات الطريق، وأصبح المرور بها أكثر خطورة مما كان عليه قبل انطلاق الأشغال، في مفارقة تثير الاستغراب وتدعو إلى المساءلة.
ولا يتعلق الأمر بطريق ثانوية أو مسلك محلي محدود الأهمية، بل بمحور جهوي استراتيجي يربط تافراوت بجماعة أملن وأيت عبد الله، ويشكل جزءاً من الطريق الجهوية 105 الرابطة بين تافراوت وأيت ملول، والتي تعبر أربعة أقاليم. كما يمثل هذا المحور أقصر منفذ للقادمين من أكادير ومدن الشمال، ويوفر ما يقارب ساعة كاملة من زمن السفر، خصوصاً خلال المواسم السياحية والعطل والأعياد.
ورغم هذه الأهمية الاقتصادية والاجتماعية والسياحية، لا يزال هذا المقطع يتحول يوماً بعد آخر إلى مصيدة مفتوحة للمسافرين، وحافلات النقل العمومي، وسيارات الإسعاف، والشاحنات، في ظل غياب أدنى شروط السلامة الطرقية.
إن تعثر المشروع لا يمكن اختزاله في مسؤولية الشركة المكلفة وحدها. فالشركة قد تُخلّ بالتزاماتها، لكن من يراقب الشركة؟ ومن يُفعّل بنود دفتر التحملات؟ ومن يفرض الجزاءات؟ ومن يحمي المال العام عندما تتوقف الأوراش دون مبرر واضح؟ إن المسؤولية تمتد إلى كل الجهات المكلفة بالتتبع والمراقبة، لأن صمت الإدارة أمام هذا التعثر يجعلها شريكاً في استمرار الأزمة، وليس مجرد متفرج عليها.
والأكثر إيلاماً أن المجتمع المدني لم يقف موقف المتفرج. فقد وجّه عشرات المراسلات، ورفع التنبيهات، ودق ناقوس الخطر، وطالب بتدخل عاجل قبل وقوع الكارثة. غير أن تلك النداءات قوبلت بصمت إداري ثقيل، وكأن صوت المواطنين لا يصل إلى المكاتب المكيفة، أو كأن معاناة المناطق الجبلية لا تستحق أن تكون ضمن أولويات القرار العمومي.
إن ما يجري في الطريق الجهوية 104 ليس مجرد تعثر تقني، بل اختبار حقيقي لمصداقية الدولة في تنفيذ مشاريعها، واحترام التزاماتها، وحماية حق المواطنين في التنقل الآمن. فلا يمكن الحديث عن العدالة المجالية، أو فك العزلة، أو التنمية القروية، بينما يظل هذا المقطع رهينة التأجيل والتسويف، ويتحول كل موسم مطير إلى موسم خوف وترقب.
لقد تجاوز هذا الملف مرحلة المطالبة بإصلاح الطريق، وأصبح ملف مساءلة حول كيفية تدبير المشاريع العمومية، وحول احترام آجال الإنجاز، وحول حماية المال العام من مشاريع تبدأ بضجيج كبير وتنتهي بصمت أكبر.
إن استمرار هذا الوضع لم يعد مقبولاً، ولم يعد يحتمل المزيد من الوعود أو التبريرات. فكل يوم يمر دون استئناف الأشغال وتأمين الطريق هو إضافة جديدة إلى سجل الإهمال، ومجازفة غير مبررة بأرواح المواطنين، ورسالة سلبية لكل من يؤمن بأن التنمية حق وليست امتيازاً.
فالطريق الجهوية 104 لم تعد مجرد طريق متضررة، بل أصبحت رمزاً لفشل التدبير، واختباراً حقيقياً لمدى احترام المؤسسات لالتزاماتها تجاه المواطنين. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: متى ستُستأنف الأشغال؟ بل: إلى متى سيظل هذا الصمت الرسمي مستمراً؟ ومن سيتحمل المسؤولية إذا تحولت هذه النقطة السوداء إلى مسرح لفاجعة كان الجميع يعلم أنها كانت قابلة للتفادي؟