
حين يُختبر القانون: مقامة العدالة في قضية فاروق المهداوي
إلى سيدي القاضي… حارس الميزان، وأمين الضمير.
أما بعد،
فإنني ما قصدت بابكم طالبًا معروفًا، ولا وقفت بين يديكم مستجديًا عطفًا؛ فالعطف يهبُه الكرماء، أما العدالة فلا يهبها إلا القانون.
وما جئتكم أحمل بين يديَّ رجلًا، وإنما أحمل قضية؛ وما جئت أستنصر لحزب، وإنما جئت أستنطق ضمير دولة، وأستفتي ميزانًا لا ينبغي أن يميل إلا حيث تميل الحقيقة.
سيدي القاضي،
لقد قيل قديمًا إن المُلك يبقى مع العدل ولا يبقى مع الظلم، وإن الأمم لا تهزمها قلة المال، وإنما يهزمها اليوم الذي يشعر فيه أبناؤها أن القانون صار يفرّق بينهم بدل أن يجمعهم، وأن الحق يُمنح لهذا ويُمنع عن ذاك بغير برهان.
وها هي الأيام تعود لتطرح السؤال القديم في ثوب جديد: أيمكن أن يصبح المقيم غير مقيم، وأن يصير الثابت متحولًا، وأن تنقلب الحقيقة بقرار لا يسنده دليل، ولا يعضده تعليل؟
أيُّ سحر هذا الذي يجعل عنوانًا اعترفت به الدولة سنوات طويلة، وأنفقت عليه من أوراقها وأختامها، ثم تستيقظ ذات صباح فتقول: ما عرفناه، وما شهدناه، وما أقررناه؟
وأيُّ منطق يجعل منتخبًا حمل هموم الناس في مجالسهم، وخاطب الإدارة من داخل مؤسساتها، وصار عنوانه معلومًا للقاصي والداني، ثم يصبح فجأة غريبًا عن الحي الذي عرفه، والدائرة التي انتخبته، والناس الذين منحوه ثقتهم؟
سيدي القاضي،
إن القضية ليست اسم فاروق المهداوي، فالناس إلى زوال، ولكن المبادئ هي الباقية. وليست القضية مقعدًا انتخابيًا، فالمقاعد تتبدل، أما الحقوق فإذا هُدمت هُدمت معها الثقة، وإذا اهتزت الثقة اضطربت السياسة، وإذا اضطربت السياسة لم يبق للديمقراطية إلا اسمها.
لقد سمع شباب المغرب، كما سمع العالم، دعوات متكررة إلى تجديد النخب، وجدية العمل، وإفساح الطريق للكفاءات، وتمكين الشباب من صناعة المستقبل. فكيف يستقيم الوعد إذا كان الطريق إلى المشاركة يُغلق قبل أن يلتقي المواطن بصندوق الاقتراع؟ وكيف تُزرع الثقة إذا كان أول ما يستقبل الطامحين إلى خدمة الوطن هو الشك في حقهم في الوجود داخل اللوائح الانتخابية؟
سيدي القاضي،
إن القضاء ليس خصمًا للإدارة، ولكنه حارس عليها؛ وليس منافسًا للسلطة، ولكنه الميزان الذي يحفظها من الميل. فإذا أخطأت الإدارة كان القضاء تصويبًا، وإذا استعجلت كان القضاء تروّيًا، وإذا غاب التعليل كان القضاء هو الذي يسأل: أين الدليل؟
وليس في دولة القانون سؤال أسمى من هذا السؤال.
فإن كان القرار قائمًا على حجة، فلتظهر الحجة، وإن كان قائمًا على بينة، فلتتكلم البينة، أما إذا سكتت الوقائع، وعجز الدليل، وغاب التعليل، بقي القضاء وحده شاهدًا على أن العدالة ليست شعارًا يُرفع، وإنما مسؤولية تُمارس.
سيدي القاضي،
لا تحكم اليوم بين شاب وإدارة، بل بين تصورين للوطن: وطن تكون فيه الحقوق أصلًا لا استثناء، والقانون سيدًا لا تابعًا، والشباب ثروة لا عبئًا، والمشاركة السياسية حقًا لا منحة.
فإذا انتصر القانون، لم ينتصر فاروق وحده، بل انتصرت ثقة جيل كامل في أن هذا الوطن ما زال يتسع لأبنائه جميعًا، وأن القضاء ليس مطية لإرادات عابرة، بل هو الباب الذي لا يُغلق في وجه العدالة.
سيدي القاضي،
إن حرمان شاب في مقتبل العمر، يخطو خطواته الأولى في فيافي السياسة، من حقه في أن يكون على نفس مسافة بقية المتبارين، هو زرع للإحباط واليأس، ودفع لجيل كامل إلى هجران السياسة، خصوصًا إذا شعر أن المنافسة لا تُحسم في صناديق الاقتراع، وإنما قبل الوصول إليها.
وإذا كان هذا الشعور قد تعزز لدى كثيرين بعد إسقاط أسماء عديدة من تحالف اليسار من لوائح الانتخابات، فإن مسؤولية القضاء اليوم ليست الفصل في نزاع فردي فحسب، بل ترميم الثقة في أن القانون يبقى المرجع الأعلى، وأن الحقوق لا تُقاس بالأشخاص، وإنما بالمبادئ.
فلتقل العدالة كلمتها، لا انتصارًا لفرد، ولا هزيمة لجهة، وإنما إنصافًا لدولة القانون، وصونًا لأمل جيل من الشباب ما تزال شمعة الثقة متقدة في قلوبه، ينتظر أن يرى في القضاء حصنًا للحقوق، وفي العدالة وعدًا لا يخلف.
فما يبقى في ذاكرة الأمم ليس عدد القضايا التي عُرضت على قضاتها، وإنما الأحكام التي أعادت للناس يقينهم بأن القانون فوق الجميع، وأن الحق إذا استند إلى الدليل لا يضيع.