Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

الجهوية المتقدمة بين رهانات المشاركة ومخاطر الإقصاء الجمعوي

يثير مشروع القانون التنظيمي رقم 31.26 المتعلق بالجهات، الذي يروم تعديل وتعويض مقتضيات القانون التنظيمي 111.14، نقاشاً واسعاً داخل الأوساط المدنية والحقوقية بالمغرب، خاصة في ما يتعلق بالإبقاء على شرط “صفة المنفعة العامة” كمعيار أساسي يتيح للجمعيات إمكانية إبرام شراكات مع الجهات والانخراط في بعض آليات الديمقراطية التشاركية على المستوى الترابي.

وفي هذا السياق، تعبر العديد من الجمعيات والهيئات المدنية عن قلقها العميق من هذا التوجه الذي تعتبره تراجعاً عن المكتسبات الدستورية التي جاء بها دستور 2011، والذي نص بشكل واضح على إشراك الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية، باعتبار ذلك حقاً دستورياً أصيلاً، وليس امتيازاً إدارياً محصوراً في فئة محدودة من التنظيمات الحاصلة على صفة المنفعة العامة.

إن تكريس هذا الشرط من جديد يعيد إنتاج نوع من الانتقائية داخل النسيج الجمعوي، ويفتح الباب أمام التمييز بين الجمعيات، في وقت يفترض فيه أن يكون معيار الفعالية والمصداقية والحضور الميداني هو الأساس في تقييم أداء الفاعل المدني، لا مجرد توفره على صفة إدارية تمنح وفق مساطر معقدة ومحدودة الاستفادة.

كما أن ربط المشاركة المواطنة بشرط المنفعة العامة قد يؤدي عملياً إلى إقصاء عدد كبير من الجمعيات الجادة التي راكمت تجارب مهمة في مجالات التنمية المحلية، وحقوق الإنسان، والعدالة المجالية، والترافع المدني، رغم مساهمتها الفعلية في تأطير المواطنين ومواكبة قضاياهم اليومية.

وفي مقابل هذا التوجه، تؤكد الهيئات المدنية المدافعة عن الديمقراطية التشاركية تشبثها بمبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، لكنها ترى أن تقوية ورش الجهوية المتقدمة لا يمكن أن يتحقق عبر تضييق فضاءات المشاركة، بل من خلال توسيعها والانفتاح على مختلف الطاقات المدنية الفاعلة، بما ينسجم مع روح الدستور ومع التوجهات الكبرى للدولة في مجال تعزيز الديمقراطية الترابية.

ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة في ظل الدينامية الوطنية التي أطلقتها المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة المنظمة بمدينة طنجة يومي 20 و21 دجنبر 2024، تحت شعار: “الجهوية المتقدمة بين تحديات اليوم والغد”، والتي أكدت في توصياتها على ضرورة تعزيز المشاركة المواطنة وتوسيع أدوار المجتمع المدني في تدبير الشأن الجهوي.

إن الدفاع عن “مغرب الجهات” هو في جوهره دفاع عن الديمقراطية المحلية، وعن حق المواطنات والمواطنين، عبر تنظيماتهم المدنية، في المساهمة الفعلية في صناعة القرار العمومي الترابي، استلهاماً من التجارب الديمقراطية المقارنة التي جعلت من المجتمع المدني شريكاً أساسياً في التنمية وصنع السياسات العمومية.

وفي ارتباط بمسطرة التشريع، فإن المصادقة على مشروع القانون التنظيمي 31.26 بصيغته الحالية، دون مراجعة مقتضى “صفة المنفعة العامة”، قد يشكل ردة تشريعية في مجال الديمقراطية التشاركية على المستوى الجهوي. غير أن الجمعيات الديمقراطية، وفق عدد من الفاعلين الحقوقيين، ستواصل ترافعها أمام المؤسسات الدستورية المختصة، وتعبئة جهودها من أجل إقرار منظومة قانونية منصفة وعادلة ومنسجمة مع مقتضيات الدستور.

ويبقى الأمل معقوداً كذلك على دور المحكمة الدستورية في مراقبة مدى مطابقة هذا القانون التنظيمي للمقتضيات الدستورية، بما يضمن حماية الحقوق والحريات وتعزيز البناء الديمقراطي الترابي بالمغرب.

بقلم: مبارك أوتشرفت، رئيس منتدى إفوس للديمقراطية وحقوق الإنسان

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.